في غضون أسابيع قليلة تراكمت وقائع عدة صارت تمثل ضغوطا متزايدة على أوباما، تطالبه بفتح تحقيقات موسعة بشأن الجرائم التي ارتكبتها إدارة بوش. فبعد معركة مع رئيسة مجلس النواب أصر فيها مدير وكالة المخابرات المركزية ليون بانيتا على أن الوكالة «لا تكذب على الكونجرس»، ذهب الرجل بنفسه للجنتي المخابرات في المجلسين ليطلعهم على موضوع آخر، كان خافيا عنه هو شخصيا منذ تولى منصبه.

فقد تبين لبانيتا أن الوكالة كانت قد أنشأت في 2001 برنامجا «لاغتيال قيادات القاعدة»، لم يتم إطلاع الكونجرس على أي شيء بخصوصه، بأوامر مباشرة من ديك تشيني.

والحقيقة أن ما قيل حتى الآن في الصحف بخصوص البرنامج، أقل بكثير على ما يبدو من الحقيقة، فما قيل يثير من الأسئلة أكثر مما يقدم إجابات. فعلى سبيل المثال، ما الذي يدعو تشيني لمخالفة القانون بأن يأمر بإخفاء البرنامج عن الكونجرس، إذا كان يتعلق فقط كما قيل «باغتيال قيادات القاعدة»، في الوقت الذي يعرف فيه القاصي والداني أن القوات الأميركية في العراق وأفغانستان تلاحقهم وتغتالهم فعلا، بل وتعلن رسميا عن عمليات هذا هو هدفها المعلن؟

بعبارة أخرى، ألا يعني إصرار تشيني على السرية أن الأمر لم يكن قاصرا على قيادات القاعدة؟ فالأمر التنفيذي الذي كان الرئيس فورد قد أصدره بعد فضائح وكالة المخابرات المركزية في السبعينات، كان يحظر الاغتيالات «السياسية»، وهو الذي جاء بعد أن تبين أن الوكالة حاولت اغتيال كاسترو واغتالت فعلا باتريس لومومبا.

على أية حال، فقد أثار افتضاح أمر هذا البرنامج الجديد، الكثير من أعضاء الكونجرس الذين وصفوا السرية التي فرضت عليه ـ لا الاغتيال نفسه بالمناسبة ـ بأنه غير قانوني، الأمر الذي يفتح الباب أمام التحقيق، ولو التشريعي على الأقل، في الموضوع. وقد تزامن مع ذلك الحدث، صدور تقرير حكومي رقابي بخصوص هيئة الأمن القومي، التي كان قد افتضح في 2005 أمر قيامها بالتنصت على المواطنين الأميركيين دون إذن قضائي، بأوامر من بوش شخصيا.

فجاء التقرير الجديد ليؤكد حقيقة مفزعة أخرى، وهي أن عمليات التنصت التي حدثت في عهد بوش، ضمت تقنيات وبرامج أكثر من تلك التي تم الإفصاح عنها. باختصار، كان التقرير يقول إن «ما خفي كان أعظم». هذا بينما أمر وزير العدل بفتح تحقيق فعلا في وقائع التعذيب التي تعرض لها المعتقلون في أفغانستان.

وتمثل كل تلك التطورات وغيرها، ضغوطا متزايدة على أوباما لفتح تحقيقات بشأن انتهاكات إدارة بوش للقانون. والحقيقة أن أوباما كان قد رفض أكثر من مرة مثل تلك التحقيقات، واختلف بشدة مع قيادات حزبه في الكونجرس في هذا الشأن.

فأوباما يرغب في أن يظل هو المتحكم في صنع الأجندة السياسية، ويريد التركيز على برامجه الداخلية والخارجية التي انتخب من أجل تحقيقها. ويعرف أن مثل تلك التحقيقات سوف تهيمن على الساحة السياسية وتسممها، وتزيد من الصراعات الحزبية التي ستدفع الجمهوريين بالضرورة إلى الوقوف ضد مشروعاته، فيؤدى ذلك إلى فشله في إنجاز ما يريد.

والحقيقة أن الحياة السياسية في أميركا مسممة بالفعل، حتى قبل أن تبدأ مثل تلك التحقيقات، بسبب الأزمة العميقة التي يعاني منها الحزب الجمهوري. وقد تجلت هذه الأزمة بوضوح الأسبوع الماضي، حين انفجرت فضيحة ديك تشيني التي تزامنت مع تخلي سارة بيلين، مرشحة الحزب لمنصب نائب الرئيس في 2008، عن منصبها كحاكمة لولاية ألاسكا. فقد جسدت ردود أفعال اليمين الأميركي عمق الأزمة التي يعاني منها الحزب.

فليس خافيا أن بوش خرج من الحكم وقد ترك حزبه في حالة انهيار، تمثلت في خسارة انتخابية تشريعية ورئاسية منكرة، فضلا عن افتقاره إلى الأفكار والبدائل السياسية، بل وإلى الزعامة أيضا.

ولذلك، قفز ديك تشيني للحلبة الفارغة من الزعامات، وراح يلعب دورا غير مسبوق، حيث تحدى الإدارة الجديدة علنا واتهم أوباما بأنه حين يتخلص من سياسات بوش بشأن التعذيب وانتهاك القانون الأميركي، إنما يعرض الأمن الأميركي للخطر، الأمر الذي جعل تشيني واجهة للحزب، يصعب على جماهيره أن تراه يهوي للقاع مثل غيره بفعل تلك الفضيحة.

ومن هنا انصب غضب اليمين إزاء الفضيحة، ليس على تشيني الذي انتهك للقانون، وإنما على الديمقراطيين. فبمنطق المؤامرة، رأى الكثيرون أن القصة ببساطة هي أن الأحوال الاقتصادية المتردية، جعلت إدارة أوباما تفجر تلك الفضيحة حتى تصرف الأنظار عن فشلها. والمنطق نفسه حكم ردود الأفعال بخصوص سارة بيلين.

فبدلا من أن ينصب غضب اليمين عليها لأنها تخلت عن مسؤوليتها إزاء الولاية، أو حتى لأنها تعكس تركيبة فريدة من التعصب ونقص الخبرة، تحولت بيلين إلى شهيدة في عيون الكثيرين الذين راحوا يتهمون الليبراليين والإعلام باستهدافها، لأنها تمثل «أميركا الحقيقية».

ولعل تعبير «أميركا الحقيقية» هو بالضبط جوهر أزمة الحزب الجمهوري، ومعه أزمة أميركا. فالمقصود بذلك التعبير هو بالطبع البيض المتدينون الذين يقطنون الريف، خصوصا في ولايات الجنوب.

وخطورة تلك الرؤية لا تقتصر على كونها رؤية ذات فحيح عنصري مبطن، وإنما تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ إنها حين تجعل من أمثال بيلين ضحية، فإنها تثير غضب «أميركا الحقيقية» تلك التي صارت تشعر بأن الملونين صارت لهم الهيمنة، بل والسيطرة حتى على أعلى منصب سياسي في أميركا!

معنى كل ذلك أن المطلب الرئيسي الذي يدعمه كل أصحاب الضمائر الحية في أميركا وخارجها، والذي يضغط من أجل التحقيق مع كل رموز إدارة بوش ومحاسبتهم على جرائمهم، تواجهه محاذير يأخذها أوباما في الاعتبار، وربما بسببها يرفض هو وغيره ممن في يدهم القرار الاستجابة لتلك المطالب في نهاية المطاف.

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com