بعد سنة من تاريخ ولادته، تعثر الاتحاد من أجل المتوسط واصطدم بالنوايا والأهداف المتناقضة لأعضائه. فالحرب على غزة قضت على الآمال الضئيلة لنجاح كيان، كان الهدف من ورائه إقحام إسرائيل في الفضاء المتوسطي.
والقضاء على آمال تركيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، خاصة وأن فرنسا وألمانيا عبرتا في العديد من المناسبات عن عدم الموافقة على استضافة الأتراك في الفضاء الأوروبي، إضافة إلى أن الاتحاد كان يهدف إلى تكريس مصالح دول الشمال، وإيجاد آليات للتخلص من الهجرة غير الشرعية والمشاكل المترتبة عنها.
أسال مشروع الاتحاد من أجل المتوسط، الذي تبناه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، أحبارا كثيرة وجدلا حادا، بسبب مناطق الالتباس والغموض التي يكتنفها، والتناقضات والاختلافات التي طغت على رؤى الدول الأعضاء حول العديد من القضايا والمشكلات.
فأهداف ونوايا وخلفيات المشروع قد لا تلقى التفاهم والوفاق من الجميع، أضف إلى ذلك أن مشاريع عديدة وعلى رأسها مسار برشلونة سبقت فكرة ساركوزي، لكنها باءت كلها بالفشل. دول كثيرة من الضفة الجنوبية كما من الضفة الشمالية للمتوسط، تحفظت على المشروع لاعتبارات عديدة ومختلفة.
مشاريع الشراكة بين الشمال والجنوب، كمشروع الاتحاد من أجل المتوسط ومسار برشلونة والشراكة المتوسطية ومشروع الشرق الأوسط الكبير، لم تحقق الأهداف المرجوة منها، كونها تتعامل مع دول الضفة الجنوبية كأرقام في معادلة يكون فيها الفاعلون الرئيسيون دول الضفة الشمالية.
في قمة احتضنتها العاصمة الليبية طرابلس للخروج برؤية عربية موحدة تجاه المشروع المتوسطي، شن الزعيم الليبي معمر القذافي هجوما حادا على الدول الأوروبية ومشروع الاتحاد من أجل المتوسط، حيث وصف القذافي مشروع الاتحاد من أجل المتوسط بالفاشل، وبأنه مشروع استثنائي عابر مآله الفشل، كما حدث من قبل لمسار برشلونة أو لسياسة الجوار التي اعتمدها الاتحاد الأوروبي تجاه دول الضفة الجنوبية من حوض البحر الأبيض المتوسط.
موقع إسرائيل في معادلة الاتحاد من أجل المتوسط محوري واستراتيجي، لعدة أسباب من أهمها أن المشروع فرصة لا تعوض، حيث انه يهدف إلى إدماج الكيان الصهيوني في منطقة جيوسياسية تشمل دولا عربية ترفض السياسات الاستيطانية الصهيونية في فلسطين، كما ترفض الدعم اللامشروط للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لإسرائيل، وترفض كذلك في غالبيتها عملية التطبيع مع الكيان الصهيوني.
فالقضية الفلسطينية تعتبر من أهم العوائق التي سيواجهها مشروع الاتحاد من أجل المتوسط، بالإضافة إلى مشكلة الصحراء الغربية، ومشكلة الإرهاب والهجرة السرية. فرؤى الشمال والجنوب تختلف حول هذه القضايا، ومن ثمة لا يستطيع الاقتصاد لوحده أن يجمع دول الضفتين في مناخ تسوده اختلافات جوهرية حول العديد من القضايا. وحتى المشاريع الاقتصادية تعاني من الكثير من الانتقادات والتحفظات عليها.
يشكل البعد الإسرائيلي في المشروع المتوسطي الساركوزي، منطقة غموض كبيرة، وتخشى الدول العربية أن يكون المشروع وسيلة لإدماج الكيان الصهيوني في المشاريع الاقتصادية والأمنية للاتحاد، الأمر الذي يتيح الفرصة لإسرائيل أن تندمج في النسيج الاقتصادي العربي، وهذا ما يؤدي مع مرور الزمن لإقامة علاقات طبيعية بين الكيان والدول العربية المتوسطية، وخاصة تلك التي ترفض التطبيع مع إسرائيل.
وللتذكير فإن من أهم أسباب فشل مسار برشلونة هو أنه يضم بين أعضائه إسرائيل. فالحرب على غزة قضت على آخر آمال نجاح الاتحاد، واستمرارية غطرسة إسرائيل وسياستها الاستيطانية، تتناقض جملة وتفصيلا مع أهداف الاتحاد من أجل المتوسط. من جهة أخرى، تجب الإشارة هنا إلى العلاقة المتميزة التي تحظى بها إسرائيل من قبل دول الاتحاد الأوروبي، سواء ما يتعلق بالملف الأمني أو التعاون الاقتصادي أو التعاون في مجال البحث العلمي، وهذا ما لا تتمتع به سائر الدول العربية.
ساركوزي يرّوج لسياسة الاتحاد من أجل المتوسط، والتي تهدف في المقام الأول لوضع آليات لمحاربة الهجرة غير الشرعية من الضفة الجنوبية إلى الضفة الشمالية للمتوسط، وكذلك وضع آليات لإبعاد دول جنوب المتوسط من أي تفكير في الاندماج في الاتحاد الأوروبي، والرسالة هنا موجهة لتركيا. يحاول ساركوزي الاستفادة من الفشل الذريع الذي أصاب مسار برشلونة، بسبب إصرار الطرف الأوروبي على ضم إسرائيل إليه.
لكن مشروع ساركوزي مهدد بالفشل قبل أن يرى النور، لعدة اعتبارات، من أهمها أنه يريد من الجيران «المتوسطيين» تحقيق الأمن والتخلص من الهجرة السرية، وإدماج الكيان الصهيوني في النسيج الاقتصادي العربي، والتعامل مع دول الضفة الجنوبية كوحدات معزولة. فالمحرك الرئيسي لمشروع الاتحاد المتوسطي هو الإرهاب والهجرة السرية وإقحام إسرائيل في الفضاء المتوسطي.
يرى المختصون أن مشروع الاتحاد من أجل المتوسط محكوم عليه مسبقا بالفشل، بسبب أحادية النظرة والرؤية من قبل الرئيس الفرنسي الجديد. فالشراكة »الاستثنائية« أو »الممتازة« التي يريدها ساركوزي، تفتقر إلى مقترحات ومشاريع واضحة المعالم وقابلة للتنفيذ والتجسيد على أرض الواقع.
فدول الضفة الجنوبية من البحر الأبيض المتوسط اليوم، تتمتع بإمكانيات هائلة وبمشاريع بنيوية معتبرة، تؤهلها للتعامل مع التوازنات الدولية وفق مصالحها الاستراتيجية.
وهذا يعني أن دول الضفة الشمالية للمتوسط مطالبة بمراجعة سياساتها إزاء دول الجنوب، بما يخدم مصلحة الطرفين، فالاستمرار في الغطرسة والتعالي لا يخدم الأمن والاستقرار في المنطقة. فدول الشمال مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بأن تتحرر من سياسة الوصاية والأبوية، وأن تقوم بمبادرات أكثر واقعية وبراغماتية في حساباتها الاستراتيجية واختياراتها السياسية والاقتصادية، لتكون مبنية على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة مع الشركاء في المنطقة.
أما مشروع الاتحاد من أجل المتوسط فلن يكتب له النجاح، إذا انحصر في موضوع الهجرة غير الشرعية والإرهاب والأمن والطاقة وإقحام الكيان الصهيوني في النسيج المتوسطي العربي، حيث ان هناك مواضيع أخرى أكثر أهمية تهم دول الضفة الجنوبية للمتوسط يجب وضعها في جدول الأعمال ودراستها بجدية.
ومن أهم هذه المواضيع القضية الفلسطينية، والشراكة الاقتصادية الحقيقية المتكافئة المبنية على المنفعة المتبادلة والمساواة في اتخاذ القرار. والأخطر من كل ما تقدم، أن الاتحاد من أجل المتوسط يُعامل الدول العربية ككيانات منفصلة وليس كقوة موحدة، وهذا ما أثار حفيظة الرئيس الليبي الذي اعتبر المشروع إهانة لجامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي وللعرب بصفة عامة.
فالمشروع الجديد في حقيقة الأمر ما هو إلا محاولة لإحياء وبعث مسار برشلونة الذي أخفق لأكثر من عقد من الزمن في تحقيق أهدافه. أجندة مختلفة وأهداف متناقضة ونوايا متضاربة لا تخدم بالضرورة مصالح دول الضفتين بطريقة متوازية ومتساوية، هي أسباب كافية لموت مشروع الاتحاد من أجل المتوسط.. قبل أن يولد.
عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة