عرضت بعض وكالات الأنباء والصحف، وبالخط العريض، أنباء عن اعتقال قادة الإخوان المسلمين، وطبعا بعض من أعضاء التنظيم الدولي والذي بعض أعضائه في الشتات واللجوء السياسي كالداعية وجدي غنيم، المقيم في جنوب أفريقيا كلاجئ سياسي، بعد أن تم وضعه على قوائم بلدان شتى بما فيها مملكة البحرين التي خلق فيها زوابع وأثار فتنا طائفية في المدارس والمؤسسات التي يذهب لها للتحريض الدعوي.
وكاد أن يحصل على الجنسية البحرينية التي سعى إليها من قام بتسهيل مهمات دخوله. وتمتد علاقاته الحميمة، والطيبة، مع أشقائه في الكويت، عبر أواصر الرحم الفكرية والتنظيمية والعملية لكل ما هو مهم في مجالات التنسيق والتعاون.
ليست هذه أول مرة يتم فيها كشف النقاب عن تلك الخيوط التنظيمية، في مصر أو خارجها، فهي تمتد لعقود من الزمن منذ تأسيس هذا التنظيم، بل وفي عز أزمنته وازدهاره، وكثيرا ما تم الكشف عن تلك الحقائق لدعاة عدة خلعوا بزتهم أو عباءتهم الدعوية والتنظيمية معلنين البراءة، بعضهم بسلام دون ضغوطات وبعضهم تحت الضغوطات، أو نتيجة انشقاقات تنظيمية وجد بعضها أن تنظيم الإخوان انحرف عن مبادئه وأسسه التي دعا لها المؤسس الأول.
لسنا هنا بصدد أهمية استعراض قائمة وسلسلة تاريخ هروب قادة تنظيم الإخوان في مراحل مختلفة من القمع والضربات التنظيمية، وإنما ما يهمنا في هذه المقالة هو انغلاق ذلك الزمن الذي فتحت فيه الأنظمة لهم أحضانها بالترحيب وبالأموال والتدليل والتسهيلات، فوجدوا أنفسهم في قمة المجد والمال والثراء.
بل وطاب لهم العيش بين عز النفط ورخاء الغرب المالي الذي هربوا نحوه، كألمانيا واسبانيا وبريطانيا والقليل من دول غربية متناثرة فضلوا أن يكون قادتهم موزعين عليها، بدلا من التمركز في موقع جغرافي واحد، حيث ظل خيط التنظيم الدولي قائما وبوجوه وغطاءات عدة، دون أن يكفوا عن التغلغل في جميع الأنشطة الخيرية والشعبية، التي من خلالها يستمر عصب المال.
وهو الدينامو المحرك لكل أنشطتهم، متدفقا من جميع الأوردة والشرايين العالمية. فمن خلال مناطق النفط يحاول ذلك التنظيم استخدام قناعه الديني، منذ فترة أفغانستان وحربها مع السوفيت وتحت مظلة عالمية وبقيادة أميركية، وهي ما نعتبره المرحلة الأولى من عمر الربيع المزدهر، حيث خرج لنا كتاب ومجلات ومراكز ومحطات وعالم لا يمكن تخيله .
وقد سعى المشروع السري لهذا التنظيم الأخطبوطي، إلى إسقاط أنظمة عربية مركزية في مرحلة الصراعات الإقليمية ولكنه أخفق، فما كان عليه إلا الهروب نحو آبار النفط واستغلال أوضاع سياسية متقلبة، دون أن ينسى ضمن مخططه الموقع الغربي للحراك السياسي الواسع، ولأسباب دبلوماسية.
وخلال عقود أربعة أو يزيد، استطاع بناء شبكة واسعة ومنظمات جماهيرية وقوة مالية ومؤسساتية وبنوك امتدت من سويسرا حتى جزر الواق واق! ومع ذلك كلما يتم ضبطهم يبدؤون في التباكي وتعليق سياسياتهم نحو مسألتين لا غير: الانتخابات وإسرائيل، ولكنهم لا يمتلكون الشجاعة لقول حقيقة واحدة، وهي أنهم يمتلكون برنامجهم الفكري نحو تأسيس مشروع دولتهم وحلمهم العظيم.
وعندما وقعت انتكاسة مشروعهم في أفغانستان ومع حكومة طالبان، بل وتمدد الانهيار مع انهيار البرجين وشن العالم هجومه الواسع على كل مكامن ومواقع ذلك التنظيم، المتعدد الأسماء والأشكال والصيغ والأقنعة، وجدناه مجددا يعود لنفس الاسطوانة، بل والجديد فيها هذه المرة ولعهم الكبير بترديد أسطوانة جديدة شائعة، هي حقوق الإنسان والديمقراطية والتعددية.
وهم في حقيقتهم يدركون أن ذلك مجرد قناع لمشروع مختلف، فالمهم أولا الانقضاض على السلطة وبهدوء، لكون العنف مشروعا فشل من أساسه، فلهذا استلام المؤسسات الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي، هو مشروع استراتيجي لتنظيم الإخوان المسلمين، يبدأ بالدعوية وينتهي بقرض المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، تدريجيا، وتنحيتها من الأسفل حتى الأعلى.
أعتقد أن البكائية الإعلامية غير مجدية، إذ باستطاعتهم إقناع الإنسان العادي بها، أما من عاصروهم من المثقفين والساسة في العالم العربي، فإنهم يدركون خفاياهم وأساليبهم التنظيمية، فأهل مكة أدرى بشعابها، ولا يحتاج المواطن تلمس تفاصيل جدرانه ورطوبتها!
المساكين هم أولئك المثقفون الإخوان الذين عاشوا لحظة الازدهار وما زالوا يتكيفون كالأسماك الملونة مع المياه العميقة والضحلة، وكل ما يكتبونه في الصحف هو ذاكرة سيئة للزمن، لعلهم يتذكرون ما قالوه ذات يوم، وفي لحظة خداع الذات، ونسوا عبارة شهيرة كثيرا ما سخروا منها في لحظتها، إن «من يضحك أولا يبكي أخيرا».
ولعل هذا ما قصده الدكتور عبد الله النفيسي كواحد من رجالات الإخوان في الكويت، في كتابه الهام «الإخوان.. رؤية من الداخل«، حيث أشار لوجود أسماء خليجية في التنظيم الدولي للإخوان وتعتبر البحرين بمثابة مركز أساسي لمنطقة الخليج، باعتبار أن التنظيم له جذور قديمة تمتد منذ أواخر الأربعينات ومطلع الخمسينات، حين هلت علينا بركة المدرسين العرب من الشام والعراق ومصر وفلسطين، فكان لهم علينا فضل الأولوية الدعوية، إلى أن التقطها مجدي غنيم متأخرا كداعية «أولمبيادي» عربي جاء من جنوب أفريقيا!
هكذا غابت شمس الإخوان من زمن الاحتضان والتدليل والمال والأعمال، إلى زمن الهروب نحو كهوف أفغانستان ووزيرستان.. حتى جنوب أفريقيا وأدغالها.
كاتب بحريني
