آن الأوان لإقامة حكومة وحدة وطنية عريضة التمثيل في السودان، لتكون مكلفة بتبني أجندة وطنية عليا من منظور قومي. لكن ما أسهل القول وما أصعب الفعل. هذا ما يطالب به قادة أحزاب المعارضة.
وسواء كان هؤلاء القادة يتحركون بدوافع قومية نزيهة أو بدوافع ذاتية سلطوية، فإن هذا لا يغير شيئا من حقيقة الواقع السياسي الراهن، الذي لا يزداد على مر الأيام إلا تعقيداً على تعقيد. لكن تبرز هنا مشكلة تحت عنوان «اتفاقية نيفاشا للسلام»، ذلك أن حكومة الوحدة الوطنية المنشودة لن يتحقق تشكيلها على النحو العريض الذي تتطلع إليه قيادات أحزاب المعارضة الكبيرة.
وتحديدا حزب الأمة القومي بقيادة الصادق المهدي والحزب الاتحاد الديمقراطي بقيادة محمد عثمان الميرغني والحزب الشيوعي برئاسة محمد إبراهيم نقد وحزب المؤتمر الشعبي بزعامة د. حسن الترابي، طالما بقي الحراك السياسي للبلاد في أي تجاه، مرتهنا إلى أحكام اتفاقية نيفاشا. الاتفاقية تحوي بنودا رقمية محددة.
وفي مقدمة هذه البنود أن لشريكي الحكم وحدهما ـ حزب «المؤتمر الوطني» و«الحركة الشعبية» الجنوبية ـ أن ينفردا مجتمعين بنسبة 80 في المائة في أي تشكيل للسلطة التنفيذية، أي نسبة 52 في المائة للمؤتمر الوطني ونسبة 28 في المئة للحركة.
ومن الواضح أن هذا الترتيب لا يتيح للأحزاب والتنظيمات الأخرى (بما فيها التنظيمات الجنوبية)، سوى مشاركة ضئيلة في السلطة لا تزيد على 20 في المئة. المخرج الوحيد في هذه المعادلة الضيقة، هو بالطبع أن يتنازل كل من «المؤتمر الوطني» والحركة عن قدر ما من نصيب كل منهما، من أجل توسيع رقعة المشاركة السلطوية لصالح أحزاب المعارضة.
لكن ذلك سيعني تلقائيا إلغاء اتفاقية نيفاشا كمرجعية أساسية للعمل الوطني السياسي في البلاد، والتي تحولت إلى دستور قومي. هذا إذا افترضنا أن شريكي السلطة سوف يوافقان على هذا الترتيب، وهو افتراضي خيالي!
وعلى أية حال، تبقى الأجندة الوطنية العليا بحاجة ماسة إلى إجماع قومي. ومن أبرز هذه الأجندة أزمة دارفور والمصير النهائي للجنوب، وكيفية إجراء الانتخابات العامة في ضوء رفض الحركة الجنوبية نتائج الإحصاء السكاني، وتوجهات السياسة الخارجية، خاصة علاقات السودان مع الولايات المتحدة.
وإذا كان تشكيل حكومة وطنية عريضة التمثيل مستحيلا دون التضحية باتفاق نيفاشا، فإنه ربما يكون البديل المتاح هو أن يتوافق قادة الأحزاب جميعا على صعيدي السلطة والمعارضة، على إنشاء مجلس قومي خارج الإطار السلطوي.