شكل الاهتمام بالتراث منذ بزوغ فجر النهضة المباركة علامة بارزة في جبين حكومة السلطنة، فقد نال التراث والموروث الشعبي عناية بالغة من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ نظرًا لما يكتنزه هذا الموروث الحضاري من معانٍ سامقة وسامية تعبر عن حضارة عمان الضاربة بجذورها في القدم.
وتحكي عن التواصل الحضاري الذي صنعه الإنسان العماني مع محيطه الخارجي ناقلاً ومؤرخًا لأنصع الصور في قدرته على الابتكار والإبداع والتغلب على ظروف الحياة الصعبة والبيئة الجغرافية القاسية، ولم يقف مكتوف الأيدي منتظرًا بما تتكرم به عليه الظروف أو ذلك المحيط الخارجي، بل كان على العكس من ذلك، حيث كان هو المبادر بنقل تجاربه العملية والعلمية إلى الآخرين.
وتخليدًا لهذا الإرث الحضاري والدور العماني الرائد على مر العصور، كانت قبسات النور من لدن عاهل البلاد المفدى حاضرة تعمل بكل جد واقتدار لتسلط الضوء على هذا الدور وتنفض عنه الغبار، ولتضيء للأجيال القادمة الإسهامات العمانية البارزة في الحضارة الإنسانية، وأهمية دور التراث والقيم والعادات والتقاليد العمانية الأصيلة في المحافظة على الهوية الحقيقية للإنسان العماني وأصالته، فقد تواترت صور الاهتمام بتراثنا سواء من خلال إنشاء وزارة خاصة بالتراث تحمل مسمى وزارة التراث والثقافة.
لتتولى مسؤولية إبراز ما سطره الأجداد من مآثر وتدوين جوانب التراث الفكرية والمادية والاجتماعية والعمرانية وغيرها، أو إقامة المتاحف الوطنية والتاريخية والتي هي الأخرى تبرز لزوارها من مواطنين ومقيمين وسياح الكنوز التراثية التي تزخر بها السلطنة، أو تخصيص عام يحتفي بالتراث، حيث كان عام 1994 عامًا للتراث، وتنبثق أهمية ذلك أن النشء أصبح يعيش في مجتمع حضري متمدن مرتبط بمحيطه الخارجي اقتصاديًّا وثقافيًّا.
فقد أضحت الحضارة الغربية في كثير من جوانبها وبما تحمله من عولمة عاملاً على تذويب الهوية الثقافية، وحتى لا تسيطر الثقافة الغربية على الناشئة، كان لا بد من ربط حاضرهم بماضيهم حماية لهم من الانسلاخ، وحتى لا يفقد الموروث الشعبي مكانته فينطوي رسمه ويندثر ذكره. لأن الناشئة إذا لم يتمسكوا بجذورهم فإنهم معرضون لأن يجرفهم التيار، الأمر الذي سوف ينعكس سلبًا على قيم المجتمع وعاداته وثقافته.
لقد لعبت وزارة التراث والثقافة دورًا بارزًا في إبراز الوجه الحضاري للبلاد سواء من خلال إدارتها للمواقع الأثرية وإعادة تأهيلها كالقلاع والحصون وجعلها قبلة للزائرين، مستخدمة المواد الأصلية ذاتها الداخلة في بنائها، أو المسوحات الأثرية بالتعاون مع البعثات العلمية المتخصصة، حيث تم الكشف عن موجودات أثرية في العديد من المواقع في مناطق السلطنة المختلفة يعود بعضها إلى الألف السابع قبل الميلاد، وقد أدرج العديد من هذه القلاع والحصون والمواقع الأثرية في قائمة التراث العالمي.
أو من خلال جمع المخطوطات والوثائق وحفظها وتصنيفها وفهرستها وتحقيقها وطباعتها، بالإضافة إلى إنشاء دائرة تعنى بذلك تحت اسم دائرة المخطوطات والوثائق، كما عملت الوزارة على جمع المخطوطات العمانية من مختلف مناطق السلطنة، وشكلت لجنة مختصة لتعويض الأهالي عن قيمة المخطوطات التي يسلمونها للوزارة، حتى استطاعت أن تجمع عشرات الآلاف من المخطوطات، فضلاً عن تنظيم الندوات الثقافية والعلمية حول العلماء العمانيين ومآثرهم وإنتاجاتهم العلمية.
ومن صور الاهتمام بالتراث أيضًا صدور المرسوم السلطاني رقم (24/2003) بإنشاء الهيئة العامة للصناعات الحرفية، بهدف متابعة ما تزخر البلاد به من تراث من الصناعات الحرفية كالفضيات والسعفيات وصناعة الخناجر والسيوف والنسيج والفخاريات وصناعة الحلوى العمانية، وتنميته وحفظه من الاندثار من ناحية، وكمصدر رزق من ناحية أخرى.
وفي مجال الفنون العمانية التقليدية تواصل الاهتمام، حيث جاء إنشاء مركز عمان للموسيقى التقليدية عام 1984 بوزارة الإعلام كإضافة للعناية بالتراث، فقد أسند إلى المركز جمع وتسجيل وتوثيق ودراسة وتصنيف مختلف أنواع الموسيقى التقليدية والفنون الشعبية.
إن هذا التوثيق الدقيق للحضارة العمانية وإعادة إحياء تراثها لأمر يحسب لقائد مسيرة النهضة المباركة؛ حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ.
