لماذا خلال العقود الماضية تُرك الدور السياسي والعسكري، وكل ما يتعلق بالمنطقة لأمريكا وحدها، عندما توارت أوروبا خلفها مدعية أن الغرق في الشؤون الدولية ، والتماس معها مكلف وغير منطقي لأن تتحمل عبء تسيير الجيوش في زمن لم يعد الاحتلال أو فرض القوة، وعوامل الهيمنة تسيطر على الحس الأوروبي، مما جعل المهمة تتحملها أمريكا معتقدة أن حجم إمكاناتها هو من يحدد قوتها على كل الجبهات؟
الصين حساباتها ظلت اقتصادية مبتعدة عن مناطق التوتر حتى فيما يتعلق بكوريا الشمالية التي تتعامل معها بأسلوب التهدئة لا الصدام ، وفي المنطقة استطاعت أن تكون واحدة من أكبر المتعاملين مع الاقتصادات العربية وهو امتياز تريد المحافظة عليه، وتبقى الهند على نفس السياسة وإن جاءت نهضتها متسقة مع أهدافها في المنطقة وخارجها..
روسيا كانت المعادل الثابت مع أمريكا عندما بقيت مؤسِّسة لأنظمة سعت أثناء الاتحاد السوفياتي، لأن تدور في فلكها إلى حد التحالف والسبب كان بسط النفوذ على أكبر دائرة في حصتها من دول العالم ، وهو تنافس انحسر مع سقوط الاتحاد السوفياتي، إلا أن الغياب المؤقت للدور الروسي بدأ يتصاعد الآن كمحور، وليست الرجل المريض المتناثر الأجزاء، وهذا ما جعل الرئيس أوباما يأخذ في سياسته رد الاعتبار للدولة المهمة، وهو ما أدى إلى أن تذهب روسيا للمنطقة كعامل معادل.
فقد استطاعت أن تدخل في استثمارات مدنية مع دول عربية كثيرة بما في ذلك منشآت نووية سلمية، والعودة لتصدير الأسلحة ، والسعي لأن تكون داخل خارطة السلام بين العرب وإسرائيل إضافة إلى الزيارات التي افتتحها الرئيس بوتين لدول لم تكن في عهد السوفيات موضوعة على لوائح الأصدقاء..
المنتظر من الدور الروسي ليس فقط أدواراً سياسية بل شراكة في فتح الأبواب للتعاون التقني باعتبارها على رأس دول العالم مع أمريكا في غزو الفضاء، والدراسات الجيولوجية، ومتقدمة في مناحي الطب والعلوم والزراعة ، وتملك أكبر مساحة جغرافية متعددة المناخات والمصادر الحيوية ، ولا تزال جغرافيتها بكراً قد تقدم الكثير للبشرية.
ثم إنها تملك المعرفة التامة عن أوضاع الوطن العربي عندما أسست أكبر أرشيف للمعلومات وكانت مراكز بحثها في شؤون المنطقة متقدمة على غيرها حتى إن مستشرقيها كانوا أكثر اعتدالاً وموضوعية في كتابة التاريخ العربي والإسلامي، ولا يزال كثير من المجاميع العربية التي تعلمت في جامعاتها تعطي مهمات جيدة، وهذه العوامل توفر أرضية للنجاح في علاقاتها ، وتعطيها طوراً آخر ينتمي لعصر المعلوماتية وتجاوز التواريخ الماضية..
ومثلما انتهى عصر الأيدلوجيات الشمولية انتهت عصور الهيمنة لكن مَواطن النزاعات لا تزال قائمة وأكبرها ما يجري في حزام الأزمات في المنطقة وهو ما يؤكد أن أي مساهمة لروسيا تبقى إيجابية وفاعلة..
