نظرا لتراجع وضعف تأثير الدور العربي الإقليمي في مجريات الأمور على الساحة الشرق أوسطية، ونظرا لحاجة الأمة العربية في هذا الظرف التاريخي بالذات لضرورة هذا الدور المطلوب من جانب النظام الإقليمي العربي، اخترت الكتابة في هذا الموضوع بالذات، لأن الدور المنوط بفاعلية النظام الإقليمي العربي، يحتاج إلى تبلور المشروع الوطني والقومي التحرري.

لقد كانت ثورة 23 يوليو رافعة حقيقية في سياق نهوض الحركة الوطنية الديمقراطية المعادية للاستعمار والامبريالية، إذ شهد العالم العربي بعد الحرب العالمية الثانية مرحلة من التطورات السياسية الثورية، تمثلت في عملية التحرير للبلدان العربية من كل آثار الاحتلال المباشر، وانبعاث القضية القومية العربية، في علاقة عضوية بمسألة الاستقلال الوطني، التي أدت إلى حصول سلسلة كاملة من الثورات الشعبية المسلحة، المتصادمة مع القوى الاستعمارية الغربية.

على نقيض هزيمة الجيوش العربية في الحرب العربية ـ الصهيونية لعام 1948، دشنت ثورة يوليو العام 1952 بقيادة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، عهداً جديداً من الثورة السياسية، التي استعاد فيها الشعب المصري حقه في حكم نفسه، والتخلص من نير الحكم الملكي التابع للغرب، وثورة اجتماعية تناضل فيها الطبقات الفقيرة حتى التوصل إلى تحقيق الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية الجذرية.

وكان العنصر المهم في عناصر الثورة المصرية، هو قيادة عبد الناصر لحركة القومية العربية، التي تعني فكرة الوحدة العربية، حيث شهدت الحركة القومية العربية والوطنية صعوداً ملموساً في الخمسينات وحتى وأواسط الستينات، في النضال من أجل القضاء على المصالح الاستعمارية المباشرة في العالم العربي.

كانت معركة تأميم مصر لشركة قناة السويس، الذي أعلن في 26 يوليو العام 1956، وهي أول معركة في حرب قومية طويلة للسيطرة على مقادير وثروات العالم العربي، ولا سيما الامتيازات النفطية التي تمتلكها الاحتكارات الغربية. وأدى التأميم للقناة إلى تفجير أزمة السويس التي أخذت أبعاداً عالمية، لما للتأميم من مضامين استراتيجية.

فقامت كل من القوى الاستعمارية الغربية، فرنسا وبريطانيا إلى جانب الكيان الصهيوني، بحرب عدوانية على مصر، استمرت من 29 أكتوبر إلى غاية 6 نوفمبر من العام 1956. وكانت أول معركة بين النظام الإقليمي العربي، والإمبريالية الغربية والكيان الصهيوني، حيث تجمع العالم العربي حول عبد الناصر، باعتباره رافعة للجماهير الشعبية العربية.

وكانت سياسة عبد الناصر، التي تدعو في الجوهر إلى تصفية الاستعمار الغربي، وتفكيك القواعد العسكرية الأجنبية الموجودة على الأراضي العربية، والدفاع عن فكرة القومية العربية، والعمل على تحقيق الوحدة العربية (حين تمت وأجهضت تجربة الوحدة المصرية السورية في العام 1958)، تستهدف بشكل رئيسي إحداث تغيير جذري في الوضع الاستراتيجي العربي، لمصلحة بناء النظام الإقليمي العربي، في سبيل مواجهة القوة الهائلة للاستعمار البريطاني الفرنسي، ومعه الكيان الصهيوني (باعتباره نسخة حية من ذلك الاستعمار، وواحداً من تعبيرات هذه القوة).

ما ميز النظام الإقليمي العربي، الذي كان يقوده عبد الناصر، كمحاولة جدية وسط صعوبات طريق الارتقاء الصعب في فضاء السياسة العربية والعالمية، هو التلازم الضروري الذي أقامه بين الوحدة العربية والتحرر السياسي والاجتماعي من جهة، وبينهما متلازمين وبين مقاومة السيطرة الإمبريالية الأميركية والكيان الصهيوني، من جهة أخرى.

وقد تجلت فاعلية هذا النظام الإقليمي العربي، في نصرة الثورة الجزائرية، وثورة 14 تموز العام 1958 في العراق، وانطلاق حركة المقاومة الفلسطينية فجر العام 1965، وانتصار الثورة في اليمن الديمقراطية، واختلال حالة التوازن في الوضع العربي لمصلحة حركة الجماهير الشعبية، والقوى الوطنية الديمقراطية، والإسهام الكبير الذي حققه النظام العربي في وضع المرتكزات الأساسية لسياسة حركة عدم الانحياز، وبالتالي في التأثير الفعال على صعيد الدول الإفريقية والآسيوية.

في ظل تراجعات الحركة القومية العربية حصلت تغيرات خطيرة، تمثلت في سيطرة مفاهيم النقائض الإيديولوجية، للوحدة، والاشتراكية، والتحرير، التي كانت تشكل الطاقة الثورية للخطاب القومي العربي المعاصر، لكي تهيمن إيديولوجية التسوية، وتحل محل شعار التحرير.

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net. org