قبل انفجار الأزمة المالية الأميركية التي أصبحت أزمة عالمية، كأثر من آثار العولمة التي قسمت العالم إلى قسمين، أقلية مسيطرة من دول الشمال الأوروبية والأميركية الغنية والقوية والمتقدمة، وأغلبية واقعة تحت السيطرة من دول الجنوب الفقيرة الضعيفة والنامية، وبينهما هوة واسعة.

في عصر «العولمة» السابق على الأزمة العالمية وما تبعها من أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية، لم يعد العالم منقسما بين شرق وغرب كما كان في عصر الحرب الباردة، بل أصبح منقسما بين شمال وجنوب، شمال غني صناعي رأسمالي متقدم، وجنوب فقير نامٍ غير رأسمالي ومتخلف.. وبسبب سياسات الشمال الاقتصادية والعسكرية الساعية إلى السيطرة على ثروات الجنوب، والتي ضاعفت الديون، وعرقلت التنمية، وأدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة ونقص الغذاء ومشاكل المناخ، فقد اتسعت مساحة الفقر والتخلف في الجنوب.

وبسبب اعتماد دول الجنوب على وعود الشمال بالمساعدة في تخفيف الديون ودعم برامج التنمية، دون وفاء الشمال إلا بربع هذه الوعود، وبسبب ضعف استثمار أرض الجنوب في الزراعة، وعدم توظيف خامات الجنوب في الصناعة، وغياب التكامل الحقيقي بين الجنوب والجنوب..

فقد أصبحت الهوة بين العالمين واسعة، والفجوة بين القسمين عميقة، مما يحمل الدول الصناعية الكبرى المسؤولية الكبرى لجسر هذه الهوة، وفي الوقت نفسه يضاعف مسؤولية الدول النامية في ما بينها لسد هذه الفجوة.

وبعد انفجار الأزمات الأميركية، والتي أصبحت عالمية وكشفت عورات الفلسفة البراغماتية، وسوء الآليات الرأسمالية، وخطأ إطلاق حرية السوق بغير ضوابط رقابية ودون مسؤوليات أخلاقية أو اجتماعية، بدا واضحا أن الشمال الذي فرض نمطه الفلسفي والاقتصادي والسياسي على العالم، هو مصدر هذه الأزمة وسبب الأزمات الأخرى التي يعانيها الجنوب بشكل مضاعف أكثر عما قبل الأزمة، دون أن يكون سببا فيها.

تضاعفت المسؤولية الكبرى على الشمال بعد الأزمة، عن معالجة أزمة الشمال وأزمات الجنوب، بداية بالحد الأدنى بتطبيق ما قررته قمة العشرين في جنيف وقمة الأربعة عشر في لاكويلا، بتخصيص 30 مليار دولار للاستثمارات في التنمية الزراعية، بدلا من المساعدات، في الدول الأكثر فقرا جنوب الصحراء الأفريقية وفي الدول الفقيرة والنامية.

نقول «تطبيق» ما تقرر، بل والتوسع على هذا الطريق حتي لا تبقى هذه القرارات والوعود كسابقاتها، في مؤتمرات الثمانية الكبار، مجرد وعود بلا تنفيذ، على أن يكون هذا التطبيق بما يكفل حل أزمات الجنوب لحساب الجنوب والشمال، وليس حل أزمات الشمال على حساب الجنوب مرة أخرى، سواء بعدم تنفيذ الوعود، أو باستثمار هذه الاستثمارات للحصول على امتيازات اقتصادية جديدة في الدول الفقيرة، بالاستثمار السياسي لها بفرض شروط سياسية جديدة.

والسوابق كثيرة في مؤتمرات الثمانية الكبار، من مونتريه إلى اسكتلندا، إلى طوكيو التي بدت أكثر تقدما من سابقاتها في الشكل والوعد أيضا، وليس في مجال التطبيق!.

فقد بدأت قمة الشمال في اليابان بيوم جنوبي بحضور قادة سبع دول أفريقية، هي جنوب أفريقيا والجزائر وأثيوبيا وغانا ونيجيريا والسنغال وتنزانيا، لكن مطلبهم الأساسي كان الوفاء بتعهدات قمة اسكتنلدا عام 2005، بمضاعفة مساعدات الثماني السنوية للقارة في 2010، قياسا إلى مستواها في 2004، وهو 25 مليار دولار، إذ لم تف إلا بأقل من ربع ما تعهدت به فقط!!.

والمطلوب تفعيل حوار الجنوب ـ جنوب، إلى جانب حوار الشمال ـ الجنوب، سعيا لنظام اقتصادي عالمي جديد، أكثر عدلا وأكثر توازنا.

mamdoh77t@hotmail.com