من يعرف قراءة الأحداث السياسية في لبنان بشكل سليم، يعي جيدا أن الوقوع في فخ استبعاد أي شيء، قد يجرده على الأقل من صفة المنطقية وإمكانية التمتع بالرؤية الشاملة المجرّدة من أية تبعية أيديولوجية.
ويبدو أن هذا ينطبق اليوم على بعض الصارخين ضد الحركة السياسية الآخذة بالتبلور شيئا فشيئا، والمعتمدة في أساسها على بعض الخيوط التي امتدت بين قوى وفرقاء، كانوا حتى الماضي القريب أعداء متمترسين في خندقين متواجهين.
فالأمور كلّها كانت واضحة منذ أن كانت المعركة السياسية في أوجها، ولم يكن مستبعدا في أي وقت أن العلاقات المتوترة آنذاك ستتحسن ذات يوم وفق اعتبارات وظروف المرحلة المستجدة، بالرغم من أن معالم تلك المرحلة لم تكن قد سطعت بعد.
لبنان، كغيره من ساحات المواجهة المنفتحة على الصراعات الإقليمية والمحلية، يجسّد أرضا خصبة للمنازلة بشتى أشكالها. وكنّا نتمنى أن تنحصر تلك المواجهة في التقاليد التي تفرضها الحياة والممارسة الديمقراطية الراقية، لكنها كانت تتفرّع للأسف إلى ما هو دون ذلك بكثير، أي إلى القتال المسلّح بين الفرقاء المتخاصمين، والذي يمثل في الحالة اللبنانية»أرقى« أشكال التخلف وأسوأ أنواع الممارسة السياسية.
هذا ما شهدناه بوضوح خلال الحقبة غير البعيدة، وهو ما عانى منه الشعب المتمترس وراء مشاكله اليومية، في انتظار بارقة أمل بسيطة تعوّض له نتفا من التضحيات الكثيرة التي أجبر على تقديمها، بسبب تلك الممارسات الدموية الفاشلة.
اليوم نشهد في لبنان حركة معيّنة تهدف لتنفيس أجواء الاحتقان في ما يسمّى الساحة المسلمة، من خلال ما يحكى عن تحالفات بين القوى والأحزاب الممثلة لأبرز الطوائف المسلمة. وكما هي الحال دائما، يتعرض أي تحرك مماثل لمجموعة من الانتقادات المنطلقة من روح الطريقة اللبنانية المشوهة، أي تلك التي تعتمد على الحس الطائفي والمذهبي قبل اعتمادها على الحس الوطني الجامع. في جميع الأحوال فإن هذا التحرك هو مبارك وضروري في الوقت الحالي تحديدا، لاعتبارات كثيرة أهمها أن الشحن المذهبي قد وصل إلى مرحلة دقيقة وحساسة، بات معها من الضروري العمل من أجل لجمه بأية طريقة ممكنة.
وهنا يجب الاستدراك بشكل واضح لنقول، بأن القادة المنطلقين اليوم في خضم مساعيهم الحميدة لتحقيق ذلك الهدف، قد ارتكبوا منذ البداية خطأ فادحا قد يحرجهم، في الحد الأدنى، أمام جماهير الأمة. فهؤلاء نسوا أو تناسوا على ما يبدو، أن استئصال أو قمع أية فتنة يتم بالدرجة الرئيسية من خلال إجراء مراجعة ذاتية للمواقف السياسية التي أوصلت البلاد إلى المرحلة الحالية.
هذا يعني طبعا وقوف هؤلاء القادة أمام الشعب، ولا أستثني منهم أحدا، وتوجيه النقد الذاتي البنّاء والهادف بكل إخلاص وأمانة وموضوعية.. هي بالتالي ما قد أصفه بالشجاعة السياسية المطلوبة بشدة من الجميع حاليا. فمن سمح لمنظّري حزبه باستخدام سياسية الشحن المذهبي لتجييش أنصاره ضد أنصار الطرف الآخر، لا يحق له اليوم أن يقف مجددا، دون نقد حقيقي، ليحدّثنا عن رأب الصدع وتحصين الساحة وما شابه ذلك.
تذكّرني هذه المحاولات ببعض الممارسات الميدانية التي قامت بها السلطة اللبنانية مشكورة، للمساهمة بإزالة حالة الاحتقان والتوتر، وخصوصا إزالة الشعارات والصور وما شابهها عن جدران الأحياء والأزقة البيروتية التي تتداخل فيها العائلات من شتى المذاهب والمعتقدات الدينية.
اليوم نعود لنضيف على كل ذلك وبأعلى صوت ممكن: المطلوب في الوقت الحاضر التوجه لممارسة العمل السياسي بكل صدق وإخلاص، والابتعاد تماما عن سياسة الشحن الطائفي والمذهبي. لم يعد مقبولا أن يتمترس أي كان خلف تقاليد مذهبية متوترة، أو أن يستخدمها وقودا لأي خلاف سياسي محتمل، لأن ما يمكن إصلاحه بشكل نسبي اليوم قد لا يكون ممكنا غدا بأي شكل من الأشكال.
إذا، فلتكن هناك اختلافات حزبية وسياسية وتحالفات مماثلة أو متناقضة بين الفينة والأخرى، لأن في ذلك روح الممارسة الديمقراطية ومنطلق التطوير الوطني الذي يجب أن يطمح إليه كثيرون. وليبدأ السياسيون بممارسة أدوارهم الفاعلة، بالاعتماد على أية اعتبارات أيديولوجية يرونها مناسبة، فالشعب في النهاية سيتعلّم أن الواجب يفرض عليه أن يختار ممثليه، وفق هذه الاعتبارات السامية التي ستساهم حتما في بناء وطن حديث.
في خضم الشحن المذهبي بتنا لا نعرف التمييز بين الأحزاب السياسية وتوجهاتها الإيديولوجية، المفترض أنها مرافقة لعملية تطوير المجتمع. وليسمح لنا هنا السيد وليد جنبلاط بأن نسأله أين أصبحت الاشتراكية الديمقراطية التي يمثلها في توجهات حزبه على الصعيد الداخلي اللبناني؟ وهل أن السيد سعد الحريري سيتعلم من تجارب غيره ليصبح تيّاره المستقبلي تيارا لبنانيا شاملا بعيدا عن العصبيات المذهبية؟ وبين هذا وذاك، هل سيتجاوز حزب الله وحركة أمل حالة التقوقع في أرجاء الطائفة التي يمثلونها حاليا، أم أنهما سيرتقيان إلى مرحلة أكثر تمثيلا لكل المحرومين في لبنان، ضمن صيغة حزبية أكثر تطورا وانعكاسا لطموحات الناس؟ لا شك أن تلك الطموحات ستبقى صعبة المنال، على الأقل في المدى المنظور، لأن القادة ما زالوا مقتنعين على ما يبدو بأن مبرر وجودهم كقوى هو، أولا، في قدرتهم للحفاظ على تمثيل الطوائف التي تحتضنهم.
هذا للأسف أمر واقعي لا يمكن الجدال فيه، وإن حاول البعض التلطّي وراء التضحيات الكثيرة التي قدّمها من أجل وطن يمثّل الجميع.. حسب رأيه.
كاتب لبناني
