تدل المؤشرات اليومية الصادرة من إسرائيل، على أن بنيامين نتنياهو يسعى إلى الاستفادة من الرغبة الأميركية للتحرك في الشرق الأوسط، من اجل إقناع الإدارة الأميركية بضرورة بدء الدول العربية وبشكل فوري في عملية التطبيع، والإعلان عن بوادر حسن نية تجاه إسرائيل. ويرى نتنياهو أنه في حال بدأت عجلات التطبيع بالدوران، فان أحدا لن يستطيع إيقافها مهما كانت نتائج المفاوضات مع الطرف الفلسطيني الرسمي، مستنداً إلى التقارير والرسائل السرية التي وصلت إلى إسرائيل من بعض الدول العربية، والموجودة في وزارة الخارجية الإسرائيلية على حد زعمه، والتي تؤكد «رغبة معظم البلدان العربية في إقامة علاقات مع إسرائيل»، وأنها «تنتظر الخطوة الأولى فقط».
ومع ذلك فان مصادر «إسرائيلية» مختلفة على قناعة بأن الدول العربية لا تتوقع تحقيق الكثير في العملية السياسية، فهي تدرك أنه لا مستقبل لأي تحرك في عملية السلام في ظل حكومة يسيطر عليها اليمين المتطرف، ولكنها في نفس الوقت لا ترغب في تصعيد يؤثر على مصالحها واستقرار ساحاتها الداخلية. ولهذا فان نتنياهو يسعى لالتقاط الفرصة للاستفادة من هذه الأجواء، طارحاً إقامة علاقات دبلوماسية والبدء في التطبيع مع الدول العربية.
وتؤكد المعلومات المستقاة من مصادر إسرائيلية مختلفة، أن نتنياهو أجرى عملياً مراجعة للسياسة الإسرائيلية تجاه «عملية السلام»، راسماً خطوطاً عريضة لها، تعكس أيضاً المزايدات الشعاراتية بين الكتل الحزبية الإسرائيلية في هذا المضمار، حيث اللاءات المعروفة: لا عودة للاجئين الفلسطينيين، القدس العاصمة الموحدة لإسرائيل، ولا إمكانية لدولة فلسطينية مستقلة تامة السيادة، كما لا إمكانية للنزول الكامل والتام من فوق هضبة الجولان السورية المحتلة، وأن «السلام لن يتحقق إلا في مقابل السلام»، مخالفاً بذلك مبدأ «الأرض مقابل السلام» الذي شكل أساساً للمفاوضات بين الدولة الصهيونية وباقي البلدان العربية المعنية، منذ مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، وصولاً للقول إن «حل الدولتين» غير قابل للتطبيق في المستقبل المنظور، وأن حكومته «لا ترغب في تبنيه في الوقت الحالي» باعتبارها فكرة غير واقعية، لأن هناك ثلاثة كيانات هي «إسرائيل والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وحماستان في قطاع غزة»، على حد تعبير مصادر نتنياهو! فهو يدعو لحكومة فلسطينية «تتمتع بحكم ذاتي»، وليس إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة. وعلى كل حال، فإن الخطوط الهيكلية للسياسة الإسرائيلية التي عرضها نتنياهو على الرئيس باراك أوباما، لا تنسجم مع التصريحات الأخيرة للإدارة الأميركية (على الأقل التصريحات اللفظية)، حيث تدفع الولايات المتحدة حكومة نتنياهو باتجاه الاعتراف بمبدأ «الدولتين للشعبين».
وفي هذا المسار الجديد الذي بدأ يبنيه نتنياهو لرؤيته السياسية، عاد من جديد للعزف على وتر «يهودية الدولة» قبل العودة إلى طاولة المفاوضات مع أي من الأطراف المعنية. وبالتالي فان نتنياهو يبدي استعداده للعودة إلى طاولة المفاوضات مع الطرف الفلسطيني الرسمي، بعد حصوله على ضمانات واضحة بالنسبة لما يسميه الاعتراف الفلسطيني المسبق ب«إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي»، بهدف الوصول إلى «حكم ذاتي» للفلسطينيين، متجاوباً مع مطالب أفيغدور ليبرمان الذي يتحدث ليلاً نهاراً، وبتهكم شديد، عما يسميه «صناعة السلام» معتبراً إياها «مسيرة دون نتائج، يرتزق منها الجميع»، عارضاً «نموذج قبرص» للحل، أي إلى حل يقوم على «تبادل السكان»، عندما انقسمت الجزيرة القبرصية في السبعينات من القرن الماضي إلى قسمين، واحد في الشمال للأتراك وآخر في الجنوب لليونانيين.
بل وخطا وزير الخارجية الجديد أفيغدور ليبرمان خطوات أكثر فجاجة ووضوحا، بإطلاقه عددا من التصريحات التي أعلن فيها رفض الدولة العبرية ل«حل الدولتين»، وحتى في التحلل من التزامات مؤتمر آنابوليس (الضبابية في الأصل)، حيث أعلن في مطلع نيسان/ إبريل 2009 أن «مقررات مؤتمر آنابوليس للسلام غير ملزمة لإسرائيل»، وهو الأمر الذي من شأنه أن يشكل إحراجاً لدعاة السلام العرب، وللرئيس الأميركي باراك أوباما الذي يصر على حل الدولتين.
إن الرؤية الجديدة أيضاً في سياسات نتنياهو وائتلافه الحكومي، تتأسس على نهج «من الأسفل إلى الأعلى»، بشكل يعاكس نهج أولمرت ـ ليفني الذي كان يدعو أولاً للوصول إلى تفاهم على إقامة كيان فلسطيني، بعد ذلك الحديث عن التفاصيل. أما مفهوم نتنياهو «من الأسفل إلى الأعلى»، فيعتقد على أنه في البداية يجب البناء على الأرض بنية تحتية لنشوء كيان ذي سيادة، وفقط بعد ذلك يتم تعريف مكانة هذا الكيان.
وبالتالي فإن نتنياهو ينظر لمقولة إن «لا معنى للحديث عن دولة فلسطينية مستقلة، وأن الجانب الفلسطيني غير ناضج لمثل هذه الدولة، مضيفا أن على الفلسطينيين الانشغال أولاً في بناء مؤسساتهم واقتصادهم، قبل الانتقال للحديث عن حلول دائمة واتفاقيات نهائية مع إسرائيل، وأن من الأفضل منح الفلسطينيين إطارا يتم من خلاله إدارة شؤونهم وبناء مؤسسات كيان الحكم الذاتي المستقبلية، ويمكن وصف هذا الإطار ب«الحكم الذاتي الموسع»، ولكن بدون أي شكل من أشكال السيادة.
وعليه، فإن أسانيد رؤية نتنياهو سياسية، اقتصادية، وأمنية. فهو يدعو لمفاوضات اقتصادية مترافقة مع المفاوضات السياسية حال إقلاعها، لتعزيز ما يسميه «الاقتصاد في الضفة الغربية وقطاع غزة»، وتجنيد مصادر داعمة له من الأسرة الدولية لتنمية الوضع الاقتصادي، معتقداً أن «عامل الأمن ووجود استقرار وازدهار اقتصادي، سيدفع الفلسطينيين للقبول بأفكاره المطروحة، وعندها سيكون ممكناً الحديث عن حل سياسي»!.
وفي الجانب الأمني، فإن نتنياهو يركز على المعالجة الأمنية للعلاقة مع الفلسطينيين، ويغيّب المعالجة السياسية، ويدعو لتوسيع خطط الإدارة الأميركية، خصوصاً منها خطة دايتون (على اسم الجنرال كيت دايتون الذي أرسل في عهد إدارة بوش لتدريب قوات امن السلطة)، لتطوير وإصلاح وتوجيه وتدريب «وحدات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية»، المسؤولية عن «القانون والنظام» في مدن الضفة الغربية وفي المناطق المأهولة باكتظاظ بالفلسطينيين. وعندها يمكن للقوات الإسرائيلية أن تخفف من تواجدها في المدن الفلسطينية بالتدريج، بقدر ما تكون قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية مستعدة لأخذ المسؤولية..
كاتب فلسطيني
