قبل أيام كنت أتجول في متنزهات «السودة»، بين المئات من السياح السعوديين والخليجيين. في السوق الشعبي هناك، حيث تباع الثياب العسيرية وبعض المصنوعات اليدوية المحلية، لفتت انتباهي نباهة وجرأة مجموعة من الصبايا العاملات في محل يبيع الثياب العسيرية. سألتهن إحدى المتجولات في السوق: «انتو سعوديات؟» فردت إحداهن بلهجة أهل تهامة: «إيه وربي.. من تهامة عسير».
كان المشهد مدهشاً. ففي وسط يحاصر المرأة بنظرة الريبة في كل تحرك وبعقلية الوصاية التي قزمت المرأة وشلت حركتها الطبيعية داخل مجتمعها، تبرز، من وقت لآخر، وفي ظروف نادرة، نماذج حية لما يفترض أن يذكرنا بأهمية حضور المرأة في المشهد الاجتماعي والاقتصادي المحلي. وما الصبايا التهاميات في سوق السودة الشعبي إلا بقايا من ذاكرة غنية بدور المرأة في مجتمع الجزيرة العربية، يوم كان الأب يفاخر بابنته والفارس يعتز بأخته والرجل يتباهى بحبه لزوجته.
إحدى الصبايا العاملات في سوق «السودة» الشعبي، كانت في غاية اللباقة وشدة الصرامة وهي تبيع بضاعتها لزبائنها، من الرجال والنساء. كانت «شعلة» من النشاط والحيوية والذكاء وهي تشرح لزبائنها عن جودة بضاعتها وتقنعهم بالشراء.
لم يعقها نقابها وحشمتها هي وزميلاتها ـ أو قريباتها ـ عن العمل في العلن بكل ثقة واقتدار. وأكاد أجزم أن في كل قرية ومدينة من قرى ومدن بلادي، نماذج حية من بنات الوطن القادرات على العطاء، على الرغم من كل المعوقات حولهن. هذه النماذج، على ندرة حضورها في العلن، هي امتداد لنماذج عريقة من جداتنا الرائدات في عطائهن وإسهامهن، يوم كان مجتمعنا لا يفرط في أي فرصة للعيش بكرامة، والمرأة العاملة في الحقل أو في الرعي أو في السوق كانت عنصراً طبيعياً ـ وضرورياً ـ في حراك مجتمعها.
نحن اليوم في أمس الحاجة لتجارب حية محلية، تظهر للبعض منا قدرة المرأة في مجتمعنا على المواجهة والعطاء.
قبل سنوات قليلة كنت في جولة في سوق الثلاثاء المعروف في أبها، برفقة الإعلامية الأميركية باربرا وولترز. فوجئت باربرا بوجود عدد من السيدات، وأغلبهن من كبيرات السن، يدرن أعمالهن بأنفسهن في السوق الشعبي الشهير. تحدثت باربرا مع بعض «تاجرات» السوق، وكان الصديق العزيز رضا الحيدر يتولى الترجمة. أخبرت باربرا وولترز إحدى «تاجرات» السوق بأنها على موعد قريب مع ولي العهد، وقتها، الملك عبدالله في جدة.
بسرعة قالت التاجرة: سلمي لي على طويل العمر واخبريه بأمنيتي أن يسمح لي بقيادة السيارة. لم تكن تلك السيدة الفاضلة من «الناشطات» السعوديات المعروفات، ولم تكن ممن كلما أبدوا رأياً مختلفاً عن السائد والتقليدي صنفن ب«الليبرالية» أو «المتأمركة».
إنها بنت بيئتها، امرأة عملية تدير أعمالها بنفسها في مجتمع قبلي، وفق إمكاناتها المتاحة، وتتاجر في الحناء وبعض البهارات والثياب العسيرية وبعض المنتجات المحلية. وحينما سألتها باربرا وولترز لماذا تريد أن تقودي السيارة، شرحت أنها تعبت من اعتمادها على ابنها كي يوصلها لمشاويرها التي تتطلبها تجارتها. الأهم أنها فاجأتنا جميعاً بثقتها بنفسها وهي تتحدث عن معاناتها في حركتها، وهي السيدة المكافحة من أجل ضمان نجاح تجارتها التي أثق أنها مصدر خير لأسرتها.
هذه النماذج التي نعتبرها شديدة الندرة في مجتمعنا اليوم، كانت إلى وقت قريب السائد والمعتاد. وحضور المرأة المحترم في حراك المجتمع، ضمن أخلاقيات وقيم دينية وإنسانية واضحة، كان من صمامات الأمان في المجتمع، حيث أسهم في بناء شخصية المرأة القوية التي تعرف كيف تدافع عن نفسها عند الحاجة. وحينما يصبح ذلك الحضور في إطاره الإنساني الطبيعي، فإن ذلك يسهم في تهذيب نظرة الرجل للمرأة من حوله، لأنها حينئذ جزء من حراك المجتمع الطبيعي والمألوف.
والشواهد حالياً على ذلك كثيرة، حتى في أقرب البلدان المجاورة لنا شبهاً في التاريخ والثقافة والعادات والتقاليد. وكلما تأخرنا في مواجهة حقيقية وصادقة مع أنفسنا ـ كمجتمع ـ تجاه واقع عمل وحضور المرأة في أنشطتنا، كلما زدنا من تعقيد وضعنا وتأزيم مشكلاتنا الاجتماعية. وهذه الحالة ربما أسهمت في تعميق مواقف الجيل الجديد من شبابنا، ونظرته تجاه المرأة من حوله.
ومازلت أتساءل: كيف يرفض البعض منا أن تعمل امرأة محجبة وفي العلن، في محل تجاري يبيع ملابس نسائية، ليحل مكانها رجل غالباً ما يكون وافداً على ثقافتنا؟ وإلى متى وكثير من القرارات التنموية المهمة تبقى رهينة الخوف من ردة فعل طبيعية في مجتمع ما زال يخطو خطواته الأولى نحو الانفتاح الواثق على حقائق اليوم وظروفه؟.
في السوق الشعبي على قمة السودة، كما في أماكن كثيرة أخرى في بلادي، توجد أمثلة حية للمرأة السعودية الحية والواثقة من نفسها، ممن يسهمن عملياً في دحض كثير من مخاوفنا تجاه عمل المرأة وحضورها المحترم في حراك المجتمع.
كاتب ومستشار إعلامي