في إطار الحرب الباردة بين المعسكرين، والحرب الأيديولوجية بين الرأسمالية والشيوعية أو بين الاشتراكية السوفييتية والديمقراطية الأميركية، وفي ظل حالة الاستقطاب العالمي الحاد بين موسكو وواشنطن، كان الخيار الوحيد المطروح أمام الدول حديثة الاستقلال مع بداية نهاية عصر الاستعمار القديم، والتي شكلت ما يعرف بالعالم الثالث، هو الانضمام إلى أحد المعسكرين.
غير أن القادة الكبار الأحرار في دول العالم الثالث حديثة الاستقلال التي اختارت سياسة عدم الانحياز، لم يختاروا سوى أوطانهم، ذلك أن الانحياز إلى أي من القوتين الكبريين لم يكن ليعني شيئا سوى التنازل الطوعي أو الجبري عما حققته شعوبهم من استقلال وطني عبر نضال طويل.
ومن بين هؤلاء الكبار الأحرار، كان خيار جمال عبد الناصر وطنيا مصريا وقوميا عربيا، بين روسيا وأميركا. فقد كان خياره النابع من ظروف الوطن المصري، هو رفض النموذجين وصياغة النموذج السياسي والاقتصادي والاجتماعي الثالث..
وحتى حين اختار انتهاج طريق «الاشتراكية الديمقراطية» التي تؤمن بالدين وتؤكد القومية، والتي فرضت نفسها على العالم فيما بعد حينما اتجه الشرق إلى الانفتاح على الآليات الرأسمالية لتطوير الاقتصاد، واضطر الغرب إلى الاعتماد على الآليات الاشتراكية لمواجهة الأزمات، فلم يكن ذلك انحيازا لخيار أجنبي، بل كان خيارا وطنيا مصريا لا روسيا، وبرؤيته للاشتراكية باعتبارها تحقق الحرية الاجتماعية التي توفر الأساس للديمقراطية بمضمونها الاقتصادي والاجتماعي، التي توفر الضمانة للحرية السياسية كما توفر الحل السلمي للصراعات الطبقية.
لكن خيار مصر لسياسة الاستقلال الوطني والتنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية في إطار سياسة عدم الانحياز، بعيدا عن الأحلاف السياسية والعسكرية أو التبعية الاقتصادية لأي من القطبين، من أجل دعم استقلالها الوطني وتنميتها المستقلة، ولدعم حركات التحرر الوطني في العالم، وتجنب خطر المواجهة النووية بين القوتين الكبريين، ولتجنيب مصر عداء أي من الكتلتين، سواء في ظل الحرب أو في ظل السلام. لكن نهج عدم الانحياز هذا لم يلق قبول المعسكر الغربي بقيادته الأميركية وبانحيازه إلى عدو مصر والعرب الصهيوني، وصمم العدوان الحربي المباشر مرتين، الأولى بالعدوان الثلاثي على مصر عام 56، ثم بالعدوان الصهيو أميركي على العرب عام 67، لكي لا يسمح لمصر أن تفلت من الحرب أو تنعم بالسلام.
وإجابة على سؤال الانحياز أو اللا انحياز، ورغم المعاناة الصعبة التي تحملتها مصر من حرب 56، ورغم الثمن الباهظ الذي دفعته في حرب 67، لم يتغير اقتناع مصر بسياسة الاستقلال وعدم الانحياز، ولم تقبل التخلي عن سياستها المستقلة داخليا وخارجيا بالانحياز لأميركا أو باختيار نموذجها الرأسمالي، الذي ثبت فيما بعد خطأه بما سببه للعالم من أزمات، تجنبا لضغوطها الاقتصادية والسياسية والإعلامية، أو لعدوانها العسكري، تارة عبر الانجليز والفرنسيين وتارة عبر الإسرائيليين..
كما لم تقبل بالانحياز إلى الاتحاد السوفييتي وتسليمه قرارها الوطني واستقلالها السياسي، أو تضطر إلى اعتماد نموذجه الشيوعي، وصممت بإرادة شعبها على رفض الهزيمة ومواصلة النضال، انطلاقا من ذات المبادئ وبنفس سياسة الاستقلال السياسي في إطار عدم الانحياز، واستطاعت الصمود، بل والنصر عام 73.
لكن النفوذ الأميركي الصهيوني عاد ليطل من جديد، بعد رحيل عبد الناصر وبعد غياب الاتحاد السوفييتي، وفي ظل انكفاء مؤقت لسياسة عدم الانحياز، لتعربد إسرائيل في المنطقة بالتهديد والتهويد!.