ضاقت الجماهير وملت لعبة المفاوضات الفلسطينية التي تبدو لا نهاية لها ولا نتيجة. جولات من الحوار تعقبها جولات ولا طائل من ورائها، يجتمع إخوة النضال بالأمس ليزدادوا انقساماً وليتبادلوا الاتهامات، كل ذلك والراعي المصري الذي يستضيف هذه الحوارات صابر كصبر أيوب.
ومع كثرة الضغوط من مصر وبعض الدول العربية على طرفي النزاع (حماس وفتح) بهدف تحقيق المصالحة الوطنية، إلا أن إخوة النضال الألداء صامدون لا يتزحزحون عن مواقفهم، ولا تبدو في الأفق أية مؤشرات على رغبة حقيقية في الاتفاق، ولو على الحد الأدنى، رغم المتغيرات الإقليمية المواتية لصالح القضية، والإدارة الأميركية التي أبدت استعدادها للمساعدة.
لقد طال الحوار الفلسطيني وأزمن منذ قيام حماس بالاستيلاء على السلطة وانفرادها بحكم غزة، وتدخل وسطاء كثيرون حاولوا إصلاح ذات البين ولم ينجحوا، لأنهم ما إن يتفقوا ويقسموا بأغلظ الأيمان حتى ينقضوا، إلى أن استقر الأمر بيد الوسيط المصري الذي يحاول جاهداً أن يصالح ويقارب بين الفرقاء، ولكن من غير جدوى! لقد وصل الانقسام الفلسطيني إلى حالة الاحتراب الداخلي، واستبيح الدم الفلسطيني بأيد فلسطينية، وسقطت خرافة «الدم الفلسطيني خط أحمر»، وتحول مجاهدو الفصائل من مقاومة العدو الإسرائيلي إلى مقاومة بعضهم بعضاً، وصار بأسهم بينهم شديداً وأصبحوا لا يثقون في بعضهم، وقد يثقون في عدوهم أكثر من ثقتهم بأنفسهم! حماس لا تأمن لفتح، وفتح لن تثق في حماس مرة أخرى مهما كانت الضمانات والعهود والمواثيق. لقد وصلت المفاوضات الفلسطينية إلى حالة من البؤس لحد أن طرفي النزاع يقومان بحملة اعتقالات ضد أنصار الطرف الآخر، وذلك للمساومة بهم في المفاوضات، وتحول هم العرب اليوم إلى تحقيق حلم واحد لا غير، هو إنجاز المصالحة الفلسطينية بعد أن ظلوا خمسين سنة يحلمون بالدولة الفلسطينية! من كان يصدق أن يتحول إخوة النضال إلى هذا الوضع البائس الذي يتبادلون فيه الاتهامات!.
في هذه الأيام وأثناء جولات الحوار في القاهرة، تعلن السلطة الفلسطينية أنها أحبطت مخططات لبناء جهاز أمني لحماس في الضفة الغربية، ويقول محافظ نابلس: ضبطنا خرائط أنفاق ومليون يورو لدى حماس معدة لشراء أسلحة وتنفيذ هجمات والقيام باغتيالات، وقد اعتقلت السلطة نساء تابعات لحماس تورطن في نقل هذه الأموال! وفي المقابل تقول حماس إنها فككت مجموعات لفتح هدفها زعزعة الأمن في قطاع غزة المنكوبة!!.
التساؤلات الحائرة والملحة اليوم: لماذا استمر الانشقاق الفلسطيني؟ ولماذا ترسخ حتى أصبح قضية عصية على الحل؟ ولماذا لم تستطع الحرب العدوانية على غزة، بوحشيتها وبشاعتها وأهوالها، أن توحد الفلسطينيين وتجعلهم يتجاوزون خلافاتهم العبثية؟ من المسؤول عن هذا العبث الدامي بالقضية؟ وهل يستحق الصراع على السلطة ضياع القضية؟ وما مسؤولية المال العربي والمال الإيراني في تفاقم الوضع الفلسطيني؟.
في تصوري أن المسؤولية الكبرى تقع على العرب شعوباً وحكومات، فما كان لهذا الشرخ أن يستشري في الجسم الفلسطيني لو اتخذ العرب ومنذ البداية موقفاً موحداً ضد الطرف المخطئ، وقالوا له: أنت مخطئ في انقلابك على السلطة الشرعية! هناك من سكت، وهناك من جامل، وهناك من دعم ومول واستقبل قادة حماس كفاتحين غانمين! حتى بعض الجماعات الدينية وبعض المشايخ، استبشروا وباركوا النصر المبين لحماس على فتح، وجرفتهم العاطفة الدينية والانتماءات الأيديولوجية فناصروا حماس بالخطب والمؤتمرات والأموال، وكان كل ذلك خطأً جسيماً، وكانت العاقبة أن ازدادت حماس غرورا وأخذتها نشوة النصر، وظنت أنها قادرة على قلب المعادلات الدولية إذا استفزت إسرائيل واستدرجتها إلى حرب عدوانية، لتعلن حماس بعدها انتصارها الإلهي أسوة بانتصار حزب الله الإلهي عقب حرب صيف 2006! لو وقفت الدول العربية وشعوبها وقفة واحدة ضد مسلك حماس الانقلابي على السلطة، لما وصلنا إلى هذا الوضع المتأزم.
الدول العربية وبسبب مكايدتها لبعضها وعدم ثقتها في بعضها، وبسبب مصالحها المتضاربة ورؤاها السياسية المتناقضة، كانت عاجزة عن هذا الموقف الموحد. ولنقارن المسلك الإفريقي بالمسلك العربي. لقد اتخذ الأفارقة موقفاً موحداً ضد انقلابيي موريتانيا ومنذ البداية، وأرغموهم على الاحتكام للشعب، ولكن العرب عاجزون عن إرغام حماس للاحتكام للشعب، مع أن عباس ينادي ويدعو حماس للاحتكام للشعب ويتعهد بأن يقوم بتسليم كل مقاليد السلطة لها إذا ظفرت بالثقة الشعبية، ولكن حماس ترفض ذلك رفضاً قاطعاً، تشبثاً بدويلتها في غزة وخوفاً من انكشافها شعبياً.
ومما يؤسف له أن بعض الدول العربية وبعض الجماهير وطائفة من الكتاب، يظنون أن الحياد يلزمهم اتخاذ موقف وسط بين طرفي النزاع، وعدم لوم حماس أو تحميلها مسؤولية الوضع المتأزم حتى لا يتهموا بالانحياز. وهذا في تصوري موقف انتهازي لا يساعد على تصحيح الوضع وإصلاح الخطأ، لأننا لو لم نقل للمخطئ انك مخطئ، فذلك يشجعه على ارتكاب مزيد من الأخطاء وليس ذلك من الوسطية في شيء.
إن سياسة مسك العصا من الوسط سياسة قصيرة النظر، جلبت الكوارث على القضية وزادت الفلسطينيين انقساماً وتشرذماً، وقد آن أوان مراجعة هذه السياسة الخاطئة، بهدف الضغط على حماس حتى تقبل الاحتكام للشعب، لأنه لا حل آخر في الأفق وكفانا عبثاً بالقضية.
المجتمع الدولي يريد أن يساعدنا، ولكننا مشغولون بخلافاتنا وانقساماتنا وأنانياتنا! الناس في غزة وفي الضفة وفي لبنان، يريدون أن يعيشوا حياة أفضل، يريدون دولة ذات سيادة وقانون تحترم آدميتهم مثلهم مثل بقية شعوب الأرض، لقد سئموا وملوا وتعبوا وأرهقوا وضاقوا بأوضاعهم المتردية. الناس في غزة وفي الضفة وفي لبنان، يحلمون بغد أفضل لأجيالهم القادمة، ولكن الميليشيات التي تحمل السلاح تغتال أحلامهم وتصادر مستقبلهم.
حماس ومهما حفرت الأنفاق وعمقتها وهربت السلاح وأطلقت الصواريخ، لن تستطيع أن تحرر شبراً من الأرض ولن تفك الحصار عن غزة، وحزب الله لن يستطيع اليوم أن يطلق طلقة واحدة بعد تمركز القوات الدولية في جنوب لبنان. لا مستقبل لسلاح حماس وحزب الله، وقد آن لهما أن يتحولا إلى حزبين سياسيين ضمن المعادلات السياسية الداخلية في البلدين، فذلك أجدى وأنفع لهما وللقضية، ذلك إذا أرادا إصلاحاً.
ومن هنا أرى أن مستقبل حماس في قبولها للحوار، وفي عودتها للصف الفلسطيني والمشاركة في حكومة وحدة وطنية في ظل قيادة فلسطينية موحدة. وإذا كانت حماس ما زالت تراهن على الدعم والتمويل الخارجي، فإن الداعمين لها اليوم في شغل شاغل بأوضاعهم الداخلية، ولذلك عليها أن تحسن القراءة وتستوعب الرسالة، فقد انتهى وقت العبث.
كاتب قطري