عبرت العلاقات السعودية السورية جسر الاختلاف في وجهات النظر حول القضايا العربية والإقليمية إلى بر الأمان، وعادت إلى الوضع الطبيعي من الاتفاق والتفاهم حول تلك القضايا، بما يعكس رغبة صادقة لتجاوز ما يعكر صفو علاقات البلدين الشقيقين، اللذين يمتلكان حضوراً سياسياً مؤثراً في المشهد العربي والإقليمي، واتفاقهما يعتبر قوة حقيقية للمواقف العربية ودعماً لأي جهود للتسويات ومعالجة الأزمات، ولذلك لم تستمر حالة الاختلاف طويلاً وعبرت كسحابة صيف في سماء العلاقات بين البلدين الشقيقين الكبيرين.

فالتقارب السعودي السوري، الذي انعكس بعودة السفير السعودي إلى دمشق وترقب زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى دمشق، جاء ليؤكد دون أدنى شك أن المصالحة العربية احتمالية قابلة للتحقق ومرتبطة بالإرادات السياسية.

وقد آن الأوان لتفعيل وتعزيز العلاقات العربية ـ العربية، وتنقيتها من الخلافات التي وقفت حجر عثرة أمام الكثير من المشكلات، وبخاصة خلال أحداث العدوان الإسرائيلي على لبنان وعلى قطاع غزة المحاصر، وتوحيد الجهود العربية لمواجهة إسرائيل التي ترفض التسوية والمبادرة العربية للسلام. لكن المصالحة الحقيقية يجب أن تأتي ثمرة جهد مشترك يتجاوز العثرات السابقة، من خلال خطة عمل سياسية تحدد المصالح وآليات حمايتها، وتضع إطاراً قابلاً للتنفيذ.

وإذا كان لبنان قد أجج الصراع العربي ـ العربي، بعد اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، فإنه هو نفسه شكل الدواء لهذا الداء، فانفرجت أسارير الدول العربية وتغيرت طريقة التعاطي مع سوريا، بالموازاة مع الانفتاح الغربي على دمشق. لكن من المفيد أيضاً أن تُنجز المصالحة على قواعد واضحة، ليس أقلها الاتفاق على احترام سيادة الدول ووقف التدخل في شؤونها.

وتسعى المملكة العربية السعودية إلى تحقيق علاقات جيدة ومميزة بين سوريا ولبنان، ضمن إطار سيادة وحرية واستقلال لبنان، ومع المحافظة على سيادة وأمن سوريا، وذلك انطلاقاً من أن العلاقات العربية يجب أن تبقى في خدمة الشعوب العربية ومصالحها.

إن الشقاق العربي صار سنداً للتشرذم الفلسطيني ونقطة الضعف الحقيقية في ملف القضية، الأمر الذي يدعونا إلى القول ان الانقسام الفلسطيني لن يلتئم عقده إلا إذا تصالح العرب أولاً، خصوصاً محور القاهرة ـ الرياض ـ دمشق، وهو المثلث الذهبي الذي باتصال أضلاعه يؤمن السياج للقضية الفلسطينية والتضامن العربي، وبتباعد هذه الأضلاع أو انفصالها ـ لا سمح الله ـ تصبح القضية، والعمل العربي المشترك عموماً، في مهب الريح.