في مصر كان ثلثا دول العالم يجتمع في قمة عدم الانحياز، تبحث في تجديد دور الحركة في ظل التحديات الخطيرة التي تواجهها كدول نامية، فتجد لزاماً عليها ـ وسط كل همومها ـ أن تؤكد من جديد موقفها الداعم للحق الفلسطيني، ضد النازية الجديدة في إسرائيل التي تمضي في طريقها في محاولة مستميتة لنسف كل الطرق التي يمكن أن تؤدي إلى سلام عادل، وتكشف عن وجهها العنصري البغيض ضد الشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال في غزة والصفة، أو الصامد في حدود 48.
ولا يعني ذلك بالطبع أن نتصور أن هناك تأييداً مضموناً وأبديا لمواقفنا، فمواقف دول عدم الانحياز من قضايا الصراع العربي ـ الإسرائيلي تتباين وتختلف. ولكن هذا ينبغي أن يذكرنا بأن هذه الكتلة كانت السند الأساسي لقضايانا قبل سنوات، وأن هناك فرصة كبيرة للعمل معها وبذل الجهد لاستعادة أرض فقدناها في الفترة الماضية لحساب العدو الإسرائيلي الذي حقق خطوات لم يكن يحلم بها في مجال علاقاته مع دول أساسية مثل الصين والهند، وفي اختراق الحصار الذي كان مضروباً عليه في إفريقيا وآسيا.
بأيدينا فرطنا في أوراق عديدة كانت لدينا، وتخلينا عن صداقات كانت تساعدنا، ووضعنا كل أوراق الرهان على موقف أميركي منحاز لإسرائيل على أمل تعديله، فإذا بهذا الانحياز ـ خلال السنوات الماضية ـ يتجاوز كل الحدود، ومع هذا لم تكتف إسرائيل به، بل كانت تسعى في نفس الوقت لكي تكسب أرضاً جديدة في كل موقع تستطيع أن تصل إليه، وتحاول توثيق علاقاتها مع كل دولة تحقق لها مصلحة، وتستفيد من علاقتها الأساسية بالولايات المتحدة لكي تقدم خدماتها على أنها الجسر الذي لا بد أن يعبر عليه من يريد أن يصل لقلب أميركا!!.
الآن يبدو الجميع في حالة مراجعة شاملة للسياسات على ضوء ما حدث.. الولايات المتحدة تدرك أنها خسرت الكثير حين لم تستغل انفرادها بزعامة العالم، لترسيخ السلام العادل في المنطقة وفي العالم. وإدارة أوباما تدرك أنه بمقدار ما ربحت إسرائيل من انحياز إدارة الرئيس بوش الهائلة لها بمقدار ما خسرت أميركا والعالم، وبمقدار ما انساقت واشنطن وراء السياسة الإسرائيلية بمقدار ما ازداد عداء المسلمين والعرب لها.
وعلينا هنا أن نتعلم الدرس، وأن ندرك أنه ولو أن الولايات المتحدة الأميركية تظل ـ ولسنوات قادمة ـ هي القوة الأكبر في العالم، إلا أنها لن تكون وحدها في الساحة، وأنه إذا كان القرار الأساسي في ما يتعلق بجهود تحقيق السلام في المنطقة يعود إلى ما ستفعله إدارة أوباما، إلا أن هذا لا يلغي دور باقي الأطراف الإقليمية والدولية.
ومن هنا فعلى العرب أن يتحركوا على كل الجبهات، وأن يستغلوا كل ما لديهم من إمكانيات لاكتساب تأييد العالم لقضاياهم، ولإحكام الحصار على العدو الإسرائيلي، ولاستعادة الأرض التي خسرناها في السنوات الماضية، وإحياء علاقاتنا بقوى كثيرة كان دعمها لنا هو الرصيد الأكبر لتحركنا على المستوى الدولي، ولا شك أن التحرك داخل دائرة دول عدم الانحياز واستغلال رئاسة مصر لها في السنوات الثلاث القادمة، هو أحد المحاور الهامة في هذا التحرك، في ظل احترام الجميع للدور التاريخي لمصر وللزعيم الراحل جمال عبد الناصر في تأسيس الحركة.
وتزداد أهمية التحرك العربي المطلوب على كل الجبهات، مع تزايد الاتجاه نحو دور دولي ل«فرض» التسوية السياسية للقضية الفلسطينية، إذا استمر التعثر الحالي فيها. وهو الاتجاه الذي تمثله التصريحات بالغة الأهمية التي أطلقها منسق السياسة الخارجية الأوروبي خافيير سولانا أخيرا، والتي دعا فيها مجلس الأمن إلى اتخاذ قرار بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، إذا فشلت المفاوضات الإسرائيلية والفلسطينية في التوصل لاتفاق في موعد يحدده المجلس سلفاً، مضيفاً أن القرار يجب أن يتضمن ترسيم الحدود وقضية اللاجئين والسيادة على مدينة القدس والترتيبات الأمنية.
وبغض النظر عن الرفض الإسرائيلي للاقتراح، أو غموض المواقف الدولية حوله، أو العقبات الموجودة أمامه، فإن علينا أن نتعامل بجدية معه، فهو لم يأت من فراغ ولا من مسؤول صغير أو قليل الخبرة، وهو مدعوم بأن إسرائيل نفسها قامت بقرار من مجلس الأمن.
وما يعنينا هنا أن طرح فكرة الحل الذي يدعمه المجتمع الدولي على الطاولة كما يقول سولانا، يفرض علينا أن نتحرك وأن نحشد كل ما نستطيع من قوى لنضمن ـ قبل كل شيء ـ أن يكون الحل الذي سيطرح محققاً للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وليس على حسابه، ولكي نضمن ثانياً تأييد العالم كله لهذا الحل، ولكي نحذر الجميع من الآن من حرب تشنها إسرائيل لكي تهرب من استحقاقات السلام.
نعم.. سنظل نأمل في موقف أميركي متوازن، ولكن الطريق إليه ما زال طويلاً، والخلاف بين الإدارة الأمريكية وحكومة نتانياهو حتى الآن هو مجرد «خلاف عائلي»، كما قال الرئيس أوباما أخيرا. وأميركا لن «تتوازن» في موقفها إلا إذا أدركت أن ثمن عدم توازنها سيكون فادحاً، وإسرائيل لن ترضخ إلا إذا أيقنت أنها تواجه عالماً لا ينحاز فقط للحق، ولكن أيضا لمصالحه. وأمامنا الفرصة لنفعل ذلك، وكم ستكون الخسارة فادحة لو أضعناها!.
كاتب مصري
