ما هي تبعات انسحاب الإمارات العربية المتحدة من العملة الموحدة المخططة لدول مجلس التعاون الخليجي؟ لقد أصيب الكثير من مؤيدي الاتحاد النقدي بالدهشة عند الإعلان عن قرار حكومة دولة الإمارات بالانسحاب من العملة الموحدة.

ولكنه ليس من الواضح ما إذا كان هناك ما يدعو للدهشة. السبب الأول الذي نطرحه يتعلق بالخطر الذي قد تمثله عملة مجلس التعاون الخليجي على العملة المحلية. وحيث أن السعودية تؤيد ربط العملة الموحدة في البداية بالدولار، فخطر هجوم العملة الموحدة على الدرهم (بمجرد صدور العملة الموحدة) ليس له أساس من الصحة.

السبب الثاني يتعلق بنجاح العملة الموحدة بعد خروج دولة الإمارات، وهذا موضوع معقد للغاية. أولاً يجب على المرء أخذ معايير تأسيس اتحاد نقدي ناجح في الاعتبار، وما إذا كانت النظم الاقتصادية التي تتكون منها نظم الخليج تفي بتلك المعايير.

وبما أن تطبيق العملة الموحدة يحتاج إلى هيئة نقدية فريدة من نوعها، فمعنى ذلك أن أي قرار يتم اتخاذه حول تغيير سعر الفائدة سيؤثر على اقتصاد كافة الدول المشاركة. وعلى سبيل المثال، فقد يؤدي خفض البنك المركزي الموحد لسعر الفائدة، إلى تنشيط اقتصاد جميع الدول المشاركة في نظام العملة الموحدة. وبالطبع، إذا لم يتم تحقيق التزامن بين دورة النشاط التجاري في اقتصاد كافة هذه الدول، فقد تستفيد بعض الدول من تلك الأداة إلا أنها قد تضر بالبعض الآخر.

وكما يبدو لنا، لا تظهر النظم الاقتصادية لدول الخليج كثيراً من التزامن في دورة النشاط التجاري (كما يتم قياسه من خلال العلاقات الترابطية للفجوات الإنتاجية والتضخم المرتبط بمؤشر أسعار السلع الاستهلاكية)، ولذلك يعتبر ثمن الانضمام لمنطقة العملة هذه بالنسبة لأي دولة ثمناً باهظاً للغاية.

تعد إحدى مزايا اتباع عملة موحدة هي تنشيط التجارة فيما بين دول مجلس التعاون الخليجي، وكنتيجة لذلك يستطيع اقتصاد كل دولة الاستفادة من زيادة ذلك النشاط التجاري. أما في حالة عدم انضمامها للاتحاد النقدي، وفقاً لهذه الفرضية، فسوف تُحرم دولة الإمارات من تلك الفرص التي يجلبها النشاط التجاري.

يشار إلى أن دول الخليج عمدت إلى ربط عملاتها بالعملات الأجنبية منذ إنشاء مجلس التعاون الخليجي، وهذا معناه أن التفاوت بين أي عملتين من عملات الخليج كان ضئيلاً أو يكاد يكون منعدماً على مدى الثلاثين عاماً الماضية.

ومع هذا، يعتبر حجم التجارة بين دول الخليج منخفضاً للغاية، إذا قورن بأنماط التجارة داخل مناطق العملات الموحدة الأخرى (مثل الولايات التي تكوّن الولايات المتحدة الأمريكية أو منطقة العملة الموحدة الأوروبية). وقد تم تحقيق المكاسب التجارية بالفعل، وكنتيجة لذلك فإن تكلفة الفرصة البديلة تعتبر قليلة للغاية.

ويمكن أن تعود المكاسب التجارية الباقية على اقتصاد دولة الإمارات بعد تأسيس العملة الموحدة. ولنأخذ كمثال حالة منطقة العملة الموحدة الأوروبية، فبرغم عدم اشتراك المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي الاقتصادي والنقدي، فقد استفادت من تزايد حجم التجارة بين الشركاء الأوروبيين، بل وتفوق اقتصادها على اقتصاد غيرها الكثير من الدول الأوروبية، بعد انسحابها من آلية سعر الصرف. وتعتبر عملتها أقوى من اليورو بالنسبة إلى الدولار، وقد حافظت على استقلالها النقدي.

وبينما يتم في البداية ربط العملة الموحدة، فسوف يتم السماح بتعويمها في نهاية المطاف لتخفيف الآثار السلبية للتضخم.

وختاماً، هناك ميزة أخرى للتكامل النقدي تتعلق بالأسواق المالية. هذه الميزة هي تغلغل أكبر وتجارة أكثر وتنوع أكبر للفرص.

وبينما من المؤكد أن التكامل النقدي قد يساعد على التنوع المالي، يعتمد التنوع المالي بشكل يكاد يكون حصرياً على التنوع الاقتصادي الحقيقي. وهذا بدوره يعني أن أهمية التكامل النقدي تعتبر تجميلية، عند مقارنتها بالحاجة العاجلة لتحقيق التنوع الحقيقي في اقتصاد دول الخليج.

وفي سياق مختلف قليلاً، يتعلق واحد من أسباب الاتحاد النقدي بالترتيبات النقدية البديلة. فمنذ الثمانينيات كان للتضخم وتقلبات التضخم تأثير سلبي على النمو في الخليج، ويعود ذلك جزئياً لربط العملات.

وبينما يتم في البداية ربط العملة الموحدة، فسوف يتم السماح بتعويمها في نهاية المطاف، وهذا من شأنه إتاحة الفرصة أمام دول الخليج لتخفيف الآثار السلبية للتضخم. وتشير منشورات في مجال الاقتصاد مؤخراً إلى أهمية استقلال البنك المركزي عن التدخل السياسي قصير المدى، وإلى أهمية الشفافية والمساءلة في السيطرة على التضخم وتقلبات الأسعار.

ومع ذلك فليس من الواضح مدى الاستقلال التنفيذي للهيئة النقدية الجديدة، هل سيكون هذا الاستقلال بنفس أسلوب نظام الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أم البنك المركزي الأوروبي؟ وهذا بدوره يشكك في مصداقية هذه العملة الموحدة الجديدة، خاصةً إذا سمح النظام النقدي الذي يتم اختياره بتعويم العملة.

ومن جانب آخر، يمثل البنك المركزي لدولة الإمارات كما معروفا لتجار العملة وأصحاب الاستثمارات الخاصة. وقد حافظ البنك المركزي الإماراتي على ربط الدرهم بالدولار واكتسب مصداقيته بمرور الوقت، ومن الطبيعي أن يحتاج البنك المركزي التابع لمجلس التعاون الخليجي لبعض الوقت قبل أن يكتسب مصداقيته هو الآخر.

وبعدم مشاركتها في العملة الخليجية الموحدة، تضمن دولة الإمارات العربية المتحدة ألا يعاني اقتصادها مزيداً من التقلبات الناجمة عن تأسيس العملة الجديدة وعلاقتها بالعملة الموحدة.

خبير اقتصادي

selma.nagbou@dsg.ac.ae