«إن لم تستح فافعل ما شئت»، هذا ما ينسحب على الاتهامات الفرنسية التي تحاول تغطية جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر، باتهام الجيش الجزائري باغتيال رهبان تيبحرين.

فالفرنسيون الذين يتهمون الجزائر بعدم الصدق وبالكذب ويعطون دروسا في العلاقات الدولية، مفادها أن العلاقات بين الدول الكبرى لا تبنى على الكذب، ينسون أنهم لم يعترفوا بجرائم بلدهم في حق الآخرين.

ففرنسا التي اتهمت الجيش الجزائري باغتيال رهبان تيبحرين سنة 1996، هي التي شككت في مصداقية دولة بكاملها بالباطل، وهي التي ترفض إلى حد الساعة الاعتذار الرسمي للجزائر عن جرائم الاستعمار الفرنسي، وتتجاهل جرائم ما زالت آثارها قائمة، كجرائم منطقة رقان على سبيل المثال لا الحصر.

وهنا نلاحظ استراتيجية فرنسا التي تقوم على عدم الاعتراف وعدم الاعتذار وتوريط الجيش الجزائري في اغتيال رهبان. ففي 13 فبراير سنة 1960 نفذت فرنسا تفجيرا نوويا «اليربوع الأزرق» في منطقة رقان في أقصى جنوب غرب الصحراء الجزائرية، بلغت قوته 60 كيلو طن، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف قوة القنبلة التي ألقت بها الولايات المتحدة الأمريكية على هيروشيما في العام 1945. هذه القنبلة تلتها قنبلة «اليربوع الأبيض»، ثم «اليربوع الأحمر»، حسب ترتيب الألوان الثلاثة للعلم الفرنسي.

وفي الأخير اختتمت فرنسا جرائمها بالقنبلة الرابعة والأخيرة التي سميت «اليربوع الأخضر». تتلخص حصيلة الجرائم النووية الفرنسية في الجزائر في 57 تجربة نووية، نفذتها فرنسا في ثلاث مناطق بجنوب الصحراء الجزائرية، منها أربع تجارب سطحية، و13 تجربة في أنفاق باطنية، و35 تجربة على مستوى الآبار، و5 تجارب أخرى استعملت فيها مواد فتاكة محظورة دوليا.

مسؤولية فرنسا في هذه الجريمة كاملة لا غبار عليها، ولا تحتاج إلى قرار إدانة. تجارب فرنسا النووية أدت إلى تلوث المنطقة برمتها في محيط 150 كيلومترا من موقع الانفجار. ونفذت فرنسا بين سنة 1960 و1966 أكثر من 20 تفجيرا نوويا على الأراضي الجزائرية، وما يزيد عن 40 تجربة نووية، وهذا حسب تصريح العسكريين والخبراء الفرنسيين أنفسهم. هذه الجرائم تسببت في تلويث الغلاف الجوي والموارد الطبيعية وتفشي الأمراض، كالسرطان والتشوهات الخلقية وغير ذلك.

والجريمة الأكبر أن السلطات الفرنسية لا تريد الاعتراف بهذه الجرائم، ورفضت وترفض تسليم كل المعلومات إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وحتى الساعة ما زالت ملفات التفجيرات النووية الفرنسية سرية وغير متوفرة للاطلاع عليها، حتى للمنظمات الدولية التي تشرف على المراقبة. وتجدر الإشارة هنا أنه من الناحية القانونية، تعتبر التفجيرات النووية الفرنسية في الجزائر جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

ما زالت تداعيات وآثار الاستعمار الفرنسي في مستعمراتها السابقة حاضرة حتى الساعة، وما زالت مشكلات الحدود وأزمة الهوية والخلل الاقتصادي والتبعية الثقافية، تحاصر العديد من الدول التي عانت من مآسي الاستعمار والظلم والعبودبة. فرنسا تخلت عن مستعمراتها وتركتها في دوامة من التبعية ومن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية. كما فشلت فرنسا في وضع استراتيجية جديدة للتعامل مع مستعمراتها وخطة عمل تتماشى مع المعطيات الجديدة في العالم.

هذا الوضع فتح المجال أمام قوى فاعلة في النظام الدولي كالولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا، للاستفادة من الفراغ الفرنسي في القارة السمراء. الغريب أن فرنسا وبعد مرور ما يزيد على أربعة عقود من جرائمها في مستعمراتها السابقة، ما زالت مصممة على عدم الاعتراف بما فعلته وعلى عدم الاعتذار عنه، ومن جهة أخرى تصر على المحافظة على نفوذها في مستعمراتها والاستفادة من الامتيازات والتسهيلات والمجاملات في التعامل.

وقصة فرنسا مع الجرائم النووية لم تقتصر على الجزائر فقط، بل شملت كذلك بولينيزيا الفرنسية التي عاشت نفس الويلات والتجارب. المنظومة الدولية اليوم بحاجة إلى دراسة مشاكل التجارب النووية وجرائم الاستعمار المختلفة، بهدف الوصول إلى آليات عملية من شأنها أن تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، لمعالجة التداعيات والانعكاسات الخطيرة التي عانت وتعاني منها المناطق التي شهدت وعاشت تلك الجرائم النووية.

فالعالم بحاجة لمعرفة هذه الجرائم، ومن واجب القانون الدولي معاقبة المجرمين وإرغامهم على دفع التعويضات، والقيام باللازم من أجل التخلص من الترسبات والملفات الناجمة عن تلك التجارب، وكذلك الأوبئة والأمراض والتلوث البيئي.

التناقض الصارخ الذي نلاحظه في عصر التناقضات والتضليل والتزييف والكيل بمكيالين، هو أن فرنسا تسعى إلى دعم وتطوير علاقات التعاون والتبادل الاقتصادي والتجاري والثقافي والعلمي مع دول القارة السمراء، وتمارس ضغوطا كبيرة على إيران بشأن ملفها النووي، وترفض في نفس الوقت الاعتراف بجرائمها في مستعمراتها السابقة.

المسؤولون الفرنسيون يصرحون أن التجارب النووية في الصحراء الجزائرية «نظيفة»، ولم تعرّض السكان والبيئة للإشعاعات ولأي نوع من الأمراض والانعكاسات السلبية. هذا الموقف من قبل بلد «الحرية والمساواة والأخوة» يذكرنا بقانون فرنسي يّمجد الاستعمار ويثني على الإيجابيات التي قدمها للمستعمرات!

تمثل التجارب النووية في العالم إشكالا مهما جدا، لكن لكونه يهم المغلوبين على أمرهم ويحرج القوى الفاعلة في النظام الدولي ويضعها أمام مسؤولياتها وأمام الجرائم التي ارتكبتها، فإنه لم يحظ بالاهتمام اللازم، سواء من قبل وسائل الإعلام العالمية أو المنظمات الدولية. فمن حق الجزائر ومن واجب الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن تفرض على فرنسا تقديم خريطة التفجيرات بالتفصيل، ومساعدة الجزائر تقنيا ولوجستيا وماديا لمعالجة الأضرار ومواجهة الموقف وتذليل مخاطر الإشعاعات.

على فرنسا كذلك دفع تعويضات للجزائر وللمتضررين من الجرائم النووية التي ارتكبتها. والمنطقة التي شهدت التجارب النووية، بحاجة إلى دراسة للوقوف على الأضرار وتحديد السبل والوسائل لإنقاد ما يمكن إنقاذه. مشكلة التجارب النووية في العالم، وخاصة تلك التي أُجريت من قبل القوى الاستعمارية الكبرى، تحتاج إلى شبكة دولية تضم هيئات ومنظمات وجمعيات تهتم بالآثار السلبية والانعكاسات المختلفة على الإنسان والبيئة والمحيط. على المجتمع الدولي كذلك الاهتمام بالموضوع والعمل على إدارة هذه المناطق التي تعاني من التلوث الإشعاعي النووي، بكل مخاطره على الإنسان والحيوان والمكان ولآلاف السنين. أين الضمير الإنساني ومنظمات حقوق الإنسان وحماية البيئة؟

هل ستكفي التعويضات التي ستدفعها فرنسا لضحايا تجاربها النووية في منطقة رقان بجنوب الصحراء الجزائرية؟ وهل ستشمل كل الضحايا الحاليين والمرتقبين مستقبلا؟ ولماذا هذا التأخر الذي فاق أربعة عقود من الزمن؟ وأين وسائل الإعلام من هذه الفضائح؟ وأين هي منظمات وجمعيات حقوق الإنسان وهيئات حماية البيئة؟ أين هو الطرف الجزائري للمطالبة بحقوق الضحايا بملفات وإحصائيات ودراسات قانونية؟ أين هي خريطة التجارب وتفاصيلها؟ وأين هي الهيئة الدولية للطاقة للوقوف على ما حدث؟

أسئلة كثيرة وتناقضات عديدة عشية الكلام عن مشروع قانون فرنسي لتعويض ضحايا رقان، مشروع جاء في الأساس لتعويض أفراد الجيش الفرنسي المتضررين من التجارب. وإلى متى تستمر الحكومة الفرنسية في سياسة الابتزاز والحرب النفسية، للتغطية على جرائم الاستعمار الفرنسي واتهام الآخرين بالباطل؟

عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة

mokirat@sharjah.ac.ae