ما صدر من مواقف دولية حتى الآن تجاه عملية السلام، لا يعدو كونه أمنيات، إن لم تكن في حقيقة الأمر أفخاخاً منصوبة لتوريط العرب بمزيد من التنازلات، بذريعة المبادرات الطيبة، أو جس النبض تجاه اصطلاحات ما، على شاكلة التطبيع أولاً، ثم الأخطر من ذلك، أن الرسميين الدوليين، مازالوا ينشدون ود إسرائيل رغم معرفتهم الأكيدة أنها المسؤولة عن تدمير عملية السلام، وأنها لا تزال تمارس سياسة العدوان والاستيطان واحتلال أراضي الغير، ولم تتلق حتى الآن أي مؤشرات دولية حقيقية رافضة لممارساتها العدوانية العنصرية.

الأحاديث عن السلام، صارت وكأنها لوازم دبلوماسية يطلقها هذا المسؤول أو ذاك في أي مناسبة تتعلق بقضايا المنطقة، وذلك كأمنيات في أحسن الأحوال، وعندما يُسألون إلى أي مدى هم جادون في تحريك عملية السلام، وهل هم بصدد الالتزام بتنفيذ استحقاقات السلام على قاعدة مرجعياته المعروفة كقراري الأمم المتحدة 242 ـ 338 ومبدأ الأرض مقابل السلام؟.. ماذا يكون جواب هؤلاء؟!. ‏

لا نريد الخوض في تفصيلات الأمثلة وهي كثيرة وصارت كالأسطوانة المشروخة نفسها التي نسمعها كل يوم رغماً عنّا، لكن المثال الأخير الذي صدر عن الإدارة الأميركية، فيه كما يقال، زبدة الكلام. ‏

فالرئيس باراك أوباما وخلال لقائه بالأمس زعماء يهوداً أميركيين جدّد حرصه على السلام في المنطقة ومحاولته دفع هذه المسيرة إلى الأمام، لكنه عبّر عن خيبة أمله من زعماء الدول العربية لعدم تقديم بادرات طيبة!.. مضيفاً: أمارس ضغطاً شديداً على الجانب العربي لإبداء حسن نيّة تجاه إسرائيل!.. ‏

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: من الذي يقدم حسن النيّة، المعتدي أم المعتدى عليه؟. ‏

فإذا كان الموقف الأميركي على هذا النحو ويريد من العرب تنازلات مسبقة لإسرائيل التي وصف الرئيس أوباما الجدال الأميركي معها حول الاستيطان بأنه (جدال داخل العائلة) فإن عشرات علامات الاستفهام يمكن أن نضعها ببساطة على جدية الموقف الأميركي من عملية السلام. ‏

لماذا.. لأن المشكلة ليست في الاستيطان فحسب وبعض الأمتار هنا أو هناك، المشكلة هي بالأساس في الاحتلال والتهويد والقدس ومصير شعب بكامله، له كل الحق بوطنه ودولته المستقلة وفق ميثاق الأمم المتحدة وقرارات الشرعية الدولية.. والمشكلة الأهم هي في الابتعاد عن منطق العدالة والقانون واستمرار النظر إلى قضايا المنطقة من خلال العين الإسرائيلية والحرص على تنفيذ رغباتها فقط دون الأخذ بمصالح الآخرين وحقوقهم المشروعة. ‏

أخيراً.. لا يمكن للمعتدى عليه أن يكافئ المعتدي ولا يمكن أن يتنازل له عن حقوقه وأرضه ليكافأ بعد ذلك على حسن نيّاته، وبالتالي لا يمكن أن تقوم عملية السلام على الباطل، ولن يتحقق السلام في ظل الاحتلال، وعلى من يود الحديث عن عملية السلام أن يعي ذلك تماماً ويبتعد عن أي مراوغة تضع الضحية والجلاد في كفة ميزان واحدة. ‏