يبدو الخلل في الموقف الاميركي والاوروبي ، واضحا ، بينا ، كالشمس في رابعة النهار ، ومتجسداً في مساواة الجلاد بالضحية ، ويظهر بكل وضوح في المشاريع أو المقترحات او التصريحات لحل الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي.

وكان هذا الخلل المقصود ، ولا يزال السبب الرئيس في تعثر الحلول ، او بالاحرى رفض عصابات الاحتلال الالتزام بقرارات الشرعية الدولية ، بعد أن وجدت أن واشنطن ، وبخاصة في المرحلة البوشية تتبنى اطروحاتها بعد ورقة التعهدات الاميركية التي قدمها الرئيس بوش لشارون في نيسان 2004 ، واعترافه بالدولة اليهودية.

وبكلام اكثر وضوحا فان التصريحات التي نسبت إلى الرئيس «أوباما» وإلى وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون ، ودعت العرب إلى التطبيع مع اسرائيل ، مقابل وقف البناء في المستوطنات تؤكد ما اشرنا اليه ، وخاصة عندما حثت كلينتون العرب إلى اتخاذ التدابير لتحسين العلاقات مع اسرائيل ، وتهيئة الرأي العام العربي لتقبل اسرائيل ، وتقبل وجودها في المنطقة ، واصفة اقدام اسرائيل على وقف الاستيطان بالاعمال الصعبة سياسيا ، ما يستدعي موقفا عربيا يشجع اسرائيل على هذا الاجراء.

هذه التصريحات ، علاوة على انها تراجع عن الرؤية الاميركية ، التي اعلنها الرئيس «اوباما» بعد لقائه جلالة الملك عبدالله الثاني والتزامه بالعمل على حل الدولتين ، وبوقف الاستيطان بدون شروط ، لانه مخالف للقوانين الدولية ، فانها تساوي بين الجلاد والضحية ، حينما تطلب من العرب فتح ابواب التطبيع مع عصابات الاحتلال في الوقت الذي لم تلتزم هذه العصابات بالشرعية الدولية والقانون الدولي ، ولا تزال تصر على عدم الانسحاب من الاراضي العربية المحتلة.

إن مكانة الولايات المتحدة الاميركية باعتبارها الوسيط الوحيد بين العرب واسرائيل لاحلال السلام العادل والشامل ، يستدعي منها أن تجبر حليفتها تل ابيب على الالتزام بالشرعية الدولية كما اجبرت كثيرا من الدول ، وشنت ضدها حروبا ، لأنها في عرف واشنطن ، اصبحت تشكل خطرا على السلام العالمي ، في حين ومنذ اكثر من 60 عاما ، وعصابات الاحتلال ، تدفع المنطقة من حرب إلى حرب ، ومن ازمة إلى ازمة ، رافضة الامتثال لقرارات الشرعية الدولية ، بدءا من قرار التقسيم 1947 ، وقرار عودة اللاجئين 194 ، وقراري 242 ، 338 اللذين يدعوناها إلى الانسحاب من الاراضي العربية المحتلة لعام 1967 واخيرا، اتفاقية «اوسلو» التي نصت على اقامة دولة فلسطينية بعد خمس سنوات من توقيعها وخريطة الطريق التي نصت على وقف الاستيطان وحل الدولتين.

لقد حذر جلالة الملك عبدالله الثاني وفي لقاءاته الاخيرة من خطورة استمرار الاوضاع الراهنة وبخاصة استمرار الاستيطان ، واجراءات التهويد في مدينة القدس ، ودعا المجتمع الدولي الى ضرورة أن ينهض بمسؤولياته لحماية السلم العالمي ، وذلك باطلاق مفاوضات جادة وفق اسس محددة تنتهي بحل الدولتين ، واقامة سلام اقليمي شامل يؤدي إلى انسحاب اسرائيل من كافة الاراضي العربية المحتلة لعام ,1967

لقد قدم العرب كل ما عندهم كما اكد جلالته حينما قدموا مبادرة السلام ، واعلنوا صراحة مشروعهم الواضح للحل الذي حمله قائد الوطن إلى واشنطن ، ويقوم على الانسحاب الكامل من الاراضي العربية المحتلة مقابل التطبيع ، مما يستدعي التساؤل حول اهداف واشنطن من الالتفاف على المبادرة ، وعدم مطالبة اسرائيل بتنفيذها ، بدلا من ان تشترط على العرب وهم الضحية بتشريع ابوابهم للتطبيع ، في الوقت الذي تنهب جرافات الاحتلال الارض الفلسطينية وتغير الوجه العربي الاسلامي لمدينة القدس.

مجمل القول: لن يتحقق السلام الشامل الدائم ما لم تقم عصابات الاحتلال بالانسحاب من كافة الاراضي العربية المحتلة واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف ، وأن محاولات الالتفاف على المبادرة العربية ، والانقلاب على قرارات الشرعية الدولية بمساواة الجلاد بالضحية لن تقود إلى السلام والاستقرار ، بل ستؤدي حتما الى مزيد من الاحتقان والتطرف ، الذي يقود إلى الانفجار.