قطع الرئيس الصيني هو جينتاو زيارته الرسمية إلى إيطاليا للمشاركة في اجتماعات مجموعة الثماني، وعاد إلى بلاده بعد احتدام أعمال العنف في إقليم شينجيانغ. عودة الرئيس تعني شيئاً واحداً، وهو أن الوضع في الصين خطير ولا يمكن للرئيس الصيني أن يكون منشغلاً في موضوع غير موضوع أمن البلاد.

الحقيقة هي أن الأحداث الأخيرة التي جرت في إقليم شينجيانغ والتوتر الدموي الذي دار بين مسلمي الإيغور والهان في الإقليم، والأحداث التي جرت في إقليم التبت العام الماضي، توضح أن مستقبل الصين كدولة موحدة ليس في أحسن الأحوال، مما يجعل الكثيرين يتساءلون عن مدى قوة الصين في التماسك والبقاء كدولة واحدة.

الصين بالطبع بلد كبير جداً، ويتكون من ست وخمسين قومية إثنية معترفا بها، ولها حدود مشتركة مع أربع عشرة دولة ـ وهو عدد كبير لا يوازيه إلا عدد الدول التي تجاورها روسيا ـ الأمر الذي قد يشكل نقطة تحدٍّ ويمثل خطراً على الصين أكثر من أن يمثل نقطة قوة لها، لا سيما وأن معظم ال117, 22 كيلومترا من الحدود البرية للصين مع الدول المجاورة، هي مع دول غير مستقرة وتمثل مصدر قلق للصين. خطورة الوضع تكمن في وجهة النظر الصينية في إقليمي شينجيانغ والتبت.

حيث تنظر السلطات الصينية بعين الحذر إلى كل من الإيغور في شينجيانغ والتبتيين في التبت باعتبارهما أكثر القوميات الصينية قدرة على خلق خطورة على أمن الصين.

بالنسبة للإيغور في إقليمهم شينجيانغ، فإن مصدر التخوف الصيني يكمن في كون أن هذا الإقليم يعد واحدا من أكبر الأقاليم في الصين مساحة، حيث تعادل مساحته مساحة دولة كإيران، وللإقليم حدود دولية مع ثماني دول معظمها تعاني من حالة عدم استقرار، كأفغانستان وباكستان.

وبعضها يعاني من وجود تمرد لمسلحين إسلاميين يطالبون بالاستقلال أو تغيير نظام الحكم كدول آسيا الوسطى، وبعضها لديه مطالب في أراض بإقليم شينجيانغ كالهند. فالمنطقة المتاخمة لإقليم شينجيانغ هي منطقة غير مستقرة، وبالتالي تساعد على تأجيج حالة عدم الاستقرار في داخل الإقليم، وهو ما يمثل مصدر إزعاج للحكومة الصينية ويجعلها دائمة التخوف مما يدور هناك.

توجد في الإقليم حركة انفصالية منظمة تقودها حركة شرق تركستان الإسلامية، التي وضعتها الولايات المتحدة والدول الغربية ضمن قائمة الجماعات الإرهابية نظراً لصلتها بالقاعدة. ولقد حاولت الحكومة الصينية في السابق استمالة زعيم طالبان الملا عمر أثناء حكم طالبان لأفغانستان، بتقديم الدعم الصيني لأفغانستان مقابل وقف كابول استضافتها ودعمها وتدريبها للانفصاليين التابعين لحركة شرق تركستان الإسلامية، إلا أن زعيم طالبان رفض ذلك وأصر على تقديم الدعم لمقاتلي الحركة الصينية التي كانت تقوم بأعمال تخريبية داخل الصين.

ليس هذا وحسب، بل كانت المخدرات تدخل إلى مدن الصين الكبرى من أفغانستان عبر إقليم شينجيانغ. لذلك كان من الطبيعي أن تدعم الصين الولايات المتحدة في حربها على طالبان.

كما أن الجماعات المسلحة في دول آسيا الوسطى المجاورة للإقليم، تمثل هي أيضاً مصدر قلق للصين التي كانت تتخوف من العلاقة القائمة بينها وبين متمردي شينجيانغ. لذلك سعت الصين إلى إنشاء منظمة شنغهاي للتعاون، بهدف العمل على تحقيق التعاون بين الصين وروسيا ودول آسيا الوسطى، في سبيل مواجهة خطر الجماعات المسلحة في تلك المنطقة.

وكما هم الإيغور يمثلون خطراً على الصين في وجهة النظر الصينية الرسمية فإن التبتيون يمثلون أيضاً ـ وفقاً لهذه النظرة ـ خطراً على أمن الصين. التبت منطقة شاسعة جغرافيا ومنطقة نزاع بين الطرفين الصيني والهندي حيث دخل الطرفان في السابق في حربين بسبب مشاكل الحدود في التبت.

الصين تتهم الهند بالتدخل في شؤونها من خلال دعم الانفصاليين التبتيين واستضافتها للدالاي لاما الزعيم الروحي لشعب التبت، والهند تتهم الصين باحتلالها أراضي هندية. سكان التبت يتمتعون بتعاطف دولي غربي معهم ومع مطالبهم في الحصول على حريتهم في العبادة وإدارة شؤونهم الذاتية.

فكل من الإيغور والتبتيين يمثلون خطراً من وجهة النظر الصينية على أمن الصين، حيث إن الصين ترى أن حصول أحدهما على الانفصال والاستقلال، سيهدد وحدة الصين التي سترى قوميات أخرى فيها أن لديها الحق هي أيضاً في الحصول على الانفصال والاستقلال، تماما كما حدث مع جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة.

كما أن انفصال شينجيانغ بالذات لا يمكن أن يكون مقبولاً لدى الحكومة الصينية، لاعتبار أن الإقليم يتمتع بموارد طبيعية هامة للاقتصاد الصيني كالنفط والغاز ومعادن أخرى هامة، كما أنه يوجد في الإقليم عدد من المفاعلات النووية، حيث القدرة العسكرية الصينية التي لا يمكن أن تفرط فيها بكين بأي ثمن.

الفلسفة الصينية الرسمية للمحافظة على وحدة الصين قائمة على ثلاثة أمور أساسية، هي: أولاً، صهر الأقليات ودمجها في المجتمع الصيني، من خلال تشجيع هجرة الصينيين أصحاب قومية الهان ذات الأغلبية في الصين، إلى مناطق شينجيانغ والتبت، وبالتالي تغيير البيئة السكانية في تلك المناطق لصالح الصين، وهذا ما كان يحدث طوال الأكثر من خمسين سنة الماضية.

وثانياً، العمل على تنمية تلك المناطق اقتصادياً من أجل رفع مستوى المعيشة لدى مواطني تلك المناطق، الأمر الذي يجعلهم أكثر ارتباطاً بالحكومة المركزية.

وثالثاً، فرض قبضتها العسكرية على مثل تلك المناطق حتى تضمن بقاءها في ظل الجمهورية الصينية، من خلال القضاء على أي تمرد من شأنه أن يقوض سلطة الدولة. هذه الأسس الثلاثة تعتبر الحكومة الصينية بأنها القاعدة الأساسية نحو فرض سيطرة الدولة والمحافظة على أمن واستقرار الصين كدولة واحدة مستقلة، لا سيما التركيز على الاقتصاد والأوضاع المعيشية.

حيث أن الانفتاح الصيني الذي اتبعته الصين منذ عام 1979، على يد الرئيس دينغ تشاو بينغ، هو في الأساس لتحقيق هذا الهدف، وبالتالي ضمان بقاء سيطرة الحزب الشيوعي على السلطة في البلاد.

فطالما أن مستوى معيشة المواطن الصيني في تحسن، لا سيما في تلك المناطق، فإن وحدة الصين باقية ومستمرة ولا خوف عليها من تمرد هنا وهناك، ولكن عندما يحدث التراجع في مستوى معيشة المواطن ولا تستطيع الحكومة توفير آليات لرفع مستوى المعيشة، عندها يمكن لنا أن ندق ناقوس الخطر.

جامعة الإمارات

binhuwaidin@hotmail.com