من مظاهر الأزمة المالية العالمية، بروز بعض الأحداث التي لم يكن بالإمكان تصورها في الظروف السابقة، حيث أصبحت النظم الاقتصادية العالمية في سباق من أجل ردم الفجوة بين عالمين مختلفين، سواء في التطور التاريخي، أو السياسي أو حتى الاجتماعي، إلا إن الأطراف ذات التناقض لا بد وأن تلتقي في نقطة معينة.
وفي ظل ظرف معين، وفي لحظة لا يمكن تلافيها، مهما كانت المبررات والحجج، آخذين بعين الاعتبار أن المؤسسات، وليس الأفراد، هي التي تحدد مستوى التلاقي وكذلك الصراع، وفي نهاية المطاف المصالح الاقتصادية هي الحد الفاصل بين الجميع.
في بداية العقد الأخير من القرن الماضي، كانت المؤتمرات تؤكد على انهيار الإمبراطورية الروسية، سواء في شكلها القديم، أو في شكلها الاشتراكي الذي استمر لأكثر من سبعة عقود، وحين ذاك برز الكثير من الكتابات التي تبشر بحتمية انتصار المعسكر الرأسمالي، ولعل لحظة ذلك الانهيار أكدت أن نهج القطاع العام قد انتهى وللأبد.
في تلك الحالة انفرطت حبات السبحة وتناثرت في كل مكان، ورفعت الرايات البيضاء في أنحاء مختلفة من العالم، وظهرت ظاهرة إعلان البراءة، فمن كانوا يحملون الرايات الحمراء في معظم بقاع المعمورة (اللهم إلا فيما ندر من بقع بسيطة في العالم)، من بين بقايا الحرس القديم، أو ممن لا يزالون يرفعون راية العدالة والمساواة بين البشر، وخاصة في الحديقة الخلفية لرافعي الرايات الزرق، وتحديداً في أمريكا الجنوبية، كل هؤلاء غيروا جلودهم بطريقة باتت الحرباء تندب حظها، أنها لم تستطع مجاراتهم في تغيير الجلد.
كان الإحباط واليأس، هو السمة السائدة بين العديد ممن لم تساعدهم القراءة الحقيقية للتاريخ، وللصراع بين القوى المختلفة في العالم، ولذلك أعلنوا الموت المحتم لمشروع حلم الملايين من البشر.
إلا أن التاريخ يؤكد أن الخروج عن الطريق الصحيح، في كل المناهج والطرق والأيديولوجيات، يؤدي إلى الدمار، ليس فقط للأغلبية، بل ربما حتى الأقلية التي تتحكم في مصير الأمم، ولعل الحربين العالميتين الأولى والثانية تؤكدان هذه الحقيقة.
ولعل التاريخ العربي يؤكد على ذلك أيضاً، في قراءة موضوعية لحرب داحس والغبراء، أو في الحرب الأهلية في اسبانيا، وفي لبنان، وفي حروب الخليج على مدى ثلاثة عقود من الزمان، كلها تحمل نتائجها المدمرة للمجتمع بكل فئاته، وخاصة الطبقات الوسطى، والتي تدفع الثمن دائماً.
ومع بداية القرن الجديد، بل الألفية الجديدة، والتي هي حصيلة للتطورات المختلفة، سواء في جوانبها الاقتصادية، الاجتماعية، وبالتالي السياسية، فتحت الآفاق أمام البشرية نحو حلم الرؤية الجديدة لعالم يسوده السلام والاستقرار، وربما استراحة المحارب، منذ القرون الوسطى حتى هذه اللحظة.
إلا أن الجشع وحب التملك، وإطلاق العنان للانتهازية المالية، فتح العالم نحو أزمة جديدة، أطلقها ريغان في ثمانيات القرن الماضي، وجعلت الجميع يشارك في سباق الماراثون نحو الثروة والقوة، وكسر كل القوانين الطبيعية في الاقتصاد.
وهنا تم غض الطرف عن القوانين التي تحكم السوق والإنسان، وبرزت طبقة جديدة في هذا العالم، وهم طبقة أغنياء العقارات، وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية وفي أرجاء مختلفة من العالم، وهم لا يختلفون عن طبقة أغنياء الحروب بعد الحرب العالمية الثانية، ففي تلك اللحظة ازدادت الفجوة بين الطبقات الاجتماعية.
وكانت بداية مرحلة تقلص الطبقة الوسطى، تلك التي تمثل الأداة المحافظة على تطور المجتمع، سواء في الدول المتقدمة، أو النامية، وحين ذاك تزايدت أعداد الطبقة الفقيرة، وهي مؤشر على بداية أزمة في العالم. (ونذكر دائماً بثورة الجياع، وأيضا بالأزمة الأخلاقية والاقتصادية في العالم).
وهنا يبرز سؤال مهم: هل تسمح المجتمعات بتدهور العالم؟ والقضاء على حضارة الإنسان وأن تعود المرحلة الوحشية إلى المجتمعات البشرية؟
لعل من أهم مؤسسات الدولة، في كل الدول، دون استثناء، هي الأجهزة الأمنية، تلك التي من أهم مهامها المحافظة على الوضع القائم، والعمل على إعادة الأوضاع إلى التوازن، بين طموحات كل القوى، ولعل الجميع يتذكر دورها في كل المراحل التاريخية من حياة المجتمعات المختلفة، دون النظر إلى الأيديولوجية أو الاجتهادات، فهي تبقى المتحكمة في الحياة.
وذلك ما يذكرنا برواية 1948 التي صورت جوانب الحياة كلها، وكأنها محكومة بأجهزة المخابرات، ولعلها تلعب دوراً هاماً في استقرار المجتمع، كما يعتقد البعض، وربما يخالف ذلك رأي بعضهم الآخر.
ومن هنا قد يبرز الصراع بين قوتين مختلفتين من حيث التوجه والرؤية، وحتى الأدوات لحل تناقضات العالم.
وفي هذه اللحظة من الزمان، برز ذاك الصديق الحميم في العقد الخامس من القرن الماضي، ضاحكاً أتريد أن تقول إن الحرب الباردة هباء وعبثية، أو مراهقة سياسية، حينما دفعت العديد من الشعوب حياتها في مناصرة هذا المعسكر ضد ذاك، أم أن ما جرى ما هو إلا مسرحية ببعد الكوميديا السوداء، أم ماذا؟
قلت مهلاً يا صاحبي لا هذا، ولا ذاك، كانت لعبة شطرنج، ونحن كنا فيها الجنود ليس إلا، والفرسان هم، ومن أجل المحافظة على الملك تتم التضحية بالبيادق واحداً بعد آخر، وكانت شعوب العالم الثالث هي التي تتم التضحية بها دائماً.
إلا أن ملوك لعبة الشطرنج، أبرزوا للساحة الدولية حصاناً لا يمكن أن يخسر، وربما كان تلك القلعة التي تحافظ على مصالح أمة ذات جذور تمتد إلى عدة قرون وإن اتخذت أنماطاً مختلفة، سواء من الناحية الأيديولوجية، أو حتى المصالح الاقتصادية للأمة.
كان ذاك المنقذ هو فلاديمير بوتن، الذي أعاد إلى الدولة مكانتها، وقضى على الفساد الذي ساهمت فيه قوى المعسكر الثاني، في دولة تمتلك كل مقومات القوة الاقتصادية والتاريخية. وكان المعسكر الآخر يسعى لخلق بطل جديد، ومن خلال طبيعة المجتمع ذاته.
وإذا كانت المخابرات الروسية سابقاً أخرجت زعيماً يدرك خفايا المجتمع، فكان لا بد لمواجهته من العودة إلى المؤسسة التي تخرج الزعماء للطرف الآخر من العالم. ومن المعلوم أنها جامعة هارفارد، هي المطبخ لإعداد القيادات في العالم الموازي، كما هي الحال في سانت هرست في بريطانيا.
كان عليها أن تبحث عن المنقذ لمواجهة هذه المصيبة، فلقد أدت سياستها إلى أن يصطف العالم ضدها، وخاصة في سياستها في الشرق الأوسط، وتورطها في العراق، وأفغانستان، والتي كانت مقبرة الإمبراطورية البريطانية، والسوفيتية أيضاً، وهي التي أفرزت ظاهرة الإرهاب «الإسلامي» والتطرف.
كان الحلم أن يتم اللقاء بين روسيا القيصرية تحت زعامة رئيس الوزراء بوتين، وأوباما ذلك القادم من جامعة هارفارد، ومن ذوى العرق الزنجي، وهو أول زعيم أسود للدولة العنصرية الأولى في العالم (الولايات المتحدة الأمريكية)، فهل يحقق أوباما قيام الدولة الفلسطينية؟ وهل يحقق التوافق بين طموحات الإمبراطوريات القديمة والجديدة؟
أم يظل المهم هو المظهر الإعلامي الذي يظهر أناقة الزوجين.. وتذهب الأحلام كسراب الصحراء، والتي قد تفتك بالجميع دون رحمة؟!
رئيس وحدة الدراسات ـ «البيان»