الأزمة المالية العالمية لها أسباب عديدة وتراكمات في الاقتصاد العالمي على مدى عقود مضت، ولكن هذه الأزمة بالتحديد وصفت بأنها أزمة «مالية»، لأن النظام المالي العالمي السائد على مدى أكثر من نصف قرن، والذي انتشر بعد انهيار المعسكر الاشتراكي ليشمل تقريبا كل دول العالم، هو النقطة التي انفجرت منها الأزمة فكشفت عيوب النظام الاقتصادي العالمي، القائم على نظريات افتراضية عفا عليها الزمن ولم تعد تصلح للاستمرار.

كانت العيوب في النظام المالي العالمي واحدا من أهم أسباب الأزمة المالية والاقتصادية التي تجتاح العالم حاليا. ولهذا نرى الآن ونسمع أن الكثير من الدول، وخاصة الدول الكبيرة في أوروبا وآسيا، تصر على وجوب إيجاد نظام مالي جديد، وترفض فكرة إصلاح النظام المالي القديم التي تطرحها بعض الدوائر في الولايات المتحدة الأميركية، حتى لا تتكرر الأزمة المالية الحالية.

وهناك أفكار متعددة مطروحة الآن وتعمل بعض الدول على تطبيقها، إما بشكل انفرادي أو مع بعض الدول الأخرى، لإنشاء النظام المالي الكفيل بمنع تكرار الأزمات، ومنها فكرة جعل العملة الوطنية لإحدى الدول الكبيرة في إقليم معين مثل روسيا أو الصين، واحدة من عملات الاحتياط الإقليمية لكي تتعدد عملات الاحتياط التي يعتمد عليها العالم، فتعدد الركائز يدعم استقرار النظام المالي العالمي ويعطيه حصانة ضد الأزمات الحادة، وأيضا يحصر أية أزمة مالية قادمة في نطاق محدود إقليمي، مما يسهل مواجهتها وتفادي تبعاتها.

وحاليا يعتمد القطاع المالي العالمي على عدة عملات رئيسية، مثل الدولار واليورو والين الياباني والجنيه الإسترليني والفرنك السويسري. والآن هناك علامات استفهام كثيرة حول مستقبل الدولار ومستقبل النظام المالي العالمي بشكل عام.. لذلك فالمطلوب تغيير هذا النظام وإيجاد نظام آخر أكثر مرونة وأكثر توازنا.

الآن تشهد السوق المالية العالمية صعود عملات أخرى تعتمد على اقتصاديات دول متماسكة إلى حد ما في هذه الأزمة، وذلك مثل الروبل الروسي الذي أصبح اليوم عملة قابلة للتحويل إلى أي عملة صعبة أخرى، وحان لروسيا أن تجعل عملتها وعاء للادخار يجذب الدول الأخرى.

وقد بدأت بعض البلدان الكائنة في الساحة السوفيتية سابقا باستخدام الروبل الروسي في بناء احتياطيات مالية. ويمكن أن يصير الروبل الروسي عملة احتياط دولية حينما تشرع روسيا في تحصيل قيمة صادراتها، وخاصة الصادرات من النفط والغاز، بالروبل.

كما طرح البعض فكرة إيجاد عملة عالمية بلا هوية وطنية، على بساط المناقشة. ويرى البعض أنه لا داعي لإصدار أي عملة ورقية أو معدنية جديدة في المرحلة الراهنة، ولكن يمكن أن تكون هناك عملة إلكترونية يقبلها المجتمع الدولي.

كما يمكن أن يكون ما يسمى بحقوق السحب الخاصة، وهي وحدة حسابية لدى صندوق النقد الدولي، نموذجا أوليا للعملة الموحدة العالمية.. ذلك أن العالم يجب أن يملك ركيزة أخرى، حتى لا يكون الاستقرار المالي الدولي مرهونا بالوضع الاقتصادي في بلد ما.

وبالنسبة لتداعيات الأزمة المالية والاقتصادية العالمية الحالية، فإن هناك دولا ستخرج منها بأضرار أقل بكثير من دول أخرى، ولكن هذا لا يعني أن الأمر انتهى، حيث يمكن أن يتكرر نفس الشيء بعد خمسة أو سبعة أعوام. وليست مظاهر هذه الأزمة واضحة تماما، ولهذا فلا أحد اليوم يستطيع أن يقول متى ستتكرر. لذلك يجب العمل من الآن على إيجاد هيكل جديد للاقتصاد العالمي.

ومن الواضح أنه لا أحد نجا من الأزمة العالمية التي نتجت عن مشكلات مالية نشأت في الولايات المتحدة الأميركية، ومن الواضح أيضا أن العالم لم يتمكن حتى الآن من إيجاد حل ناجح ينهي هذه الأزمة.

ويرى البعض في ارتفاع مؤشرات أداء بعض بورصات العالم مؤخرا أعراضا أولية لانتعاش الاقتصاد العالمي، ولكن من المبكر الشعور بالتفاؤل إزاء فرص تجاوز الأزمة العالمية، لا سيما وأن «الأزمة المالية نبتة معمرة وحيوية جدا» وفق ما قاله أحد الخبراء الاقتصاديين.

كاتب أوكراني

vladi1949@mail.ru