حركة عدم الانحياز بدأت استعادت شيئاً من بريقها في قمة شرم الشيخ، بحيث أصبحت قوة اقتراح وتحرك على المستوى الدولي، بعدما دعت إلى نظام عالمي جديد يستند على مشاركة فعلية لجميع الدول، وخصوصاً الدول النامية، بتأكيد أن الأزمة المالية العالمية الراهنة كان مصدرها دول الشمال الصناعية، وأن الدول النامية كانت الأكثر تأثراً بها.

إن عودة الكثير من العقلانية المفقودة للإدارة الأميركية في العهد الجديد، تحتم على دول عدم الانحياز أن تعيد حساباتها وتستفيد من تجاربها الماضية، خاصة بعد أن أهدرت الكثير من الفرص بعد أفول مفاهيم ومخاوف الحرب الباردة، وغياب القطب الآخر، وتقبلت فرض الأنموذج التنموي الغربي عليها عبر أذرعه الدولية..

فالانهيار الاقتصادي والمالي العالمي الذي أصاب الغرب، يعطي فرصة مثلى لدول الحركة لإعادة صياغة مفهوم تنموي جديد يستند على مشاركة فعلية لجميع الدول، وخصوصاً الدول النامية، وتحديد آليات لمكافحة الفقر. الأزمة المالية الحالية لا تحل بحلول تجميلية تحاول الحفاظ على النظام الاقتصادي الحالي الذي يفتقر إلى العدل، وإنما الحل يمر بالضرورة عبر إعادة هيكلة النظام المالي والنقدي الدولي.

إن طموح حركة عدم الانحياز لأن يصبح لها تأثير على القرار العالمي وفي أن تطور قدراتها كقوة اقتراحية، هو أمر في متناولها، لكن شريطة تعزيز تضامنها الداخلي ووفائها الراسخ للمبادئ والأسس التي قامت عليها. ومن الواجب عليها اليوم، وأكثر من ذي قبل، الصمود في وجه العولمة التي تريدها الإدارة الأميركية لفرض سلطانها على كل دول العالم. ومن ثم فإنها مطالبة بإعادة تحديد الدور الذي يمكن أن تلعبه في الفترة المقبلة، من حيث كونها ممثلة لمصالح العالم الثالث، السياسية والاقتصادية.

فسياسة الاستقلال وأخذ زمام المبادرة وعدم الانحياز، والتي كانت تنتهجها الحركة في بداية الأمر، مازالت مناسبة للأوضاع الدولية الحالية. إن أمام الحركة الآن مهام ملحة، في مقدمتها إعادة التجدد والحيوية للحركة حتى تتناسب مع الأوضاع الحالية وتقوي نفسها، وتحقق النتائج المرجوة في التعاون والتنمية ذات المنفعة المتبادلة والفوز المشترك.

فالحركة، بالنظر إلى تاريخها وهويتها وتوجهها، مؤهلة تماماً لحمل رسالة مجتمع دولي واع، أكثر من أي وقت مضى، بضرورة إعادة تأسيس بنيات الاقتصاد العالمي، وإقامة تحكيم دولي متجدد منفتح على الجميع، في ما يخص التفاوض والمشاركة في اتخاذ القرار.