عندما نشرت منظمة العفو الدولية قبل أسبوعين تقريرها بشأن جرائم حرب غزة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، سارعت إسرائيل للتشكيك في التقرير وفيما قالته المنظمة الدولية. وليس من المستغرب أن تسارع إسرائيل إلى النفي، وأن تدافع عن أخلاقية جنودها وجيشها.
لكن امس صدر تقرير من داخل البيت الإسرائيلي يدعم ما أكدته المنظمة الدولية، فقد أصدرت منظمة «كاسرو الصمت» الإسرائيلية، وثيقة تضمنت 54 إفادة لثلاثين جنديا في صفوف قوات الاحتياط والقوات النظامية، تدل على أن الجيش الإسرائيلي أخفى معلومات تتنافى مع القانون الإسرائيلي والقانون الدولي وقرارات المحكمة العليا الإسرائيلية.
إفادات الجنود في تقرير «كاسرو الصمت» تحدثت عن توغل في قطاع غزة بناء على ما اسماه التقرير «نظام الجار» الذي يحوّل الجنود الإسرائيليين من خلاله مواطنا فلسطينيا إلى درع بشري من أجل تفتيش البيوت، علما أن المحكمة العليا الإسرائيلية أصدرت قرارا قبل ثلاث سنوات منعت من خلاله الجيش من استخدام «نظام الجار» بشكل مطلق.
كما تحدث الجنود للمنظمة الإسرائيلية عما يسمى بـ «روح القائد» التي سمحت لهم بإطلاق النار بحرية وقتل وإصابة المدنيين، كما تضمن التقرير إفادات عن استخدام القنابل الفسفورية، التي نفى الجيش الإسرائيلي استخدامها بداية وعاد واعترف، لكنه قال في بياناته اللاحقة بعد الاعتراف، إنها لم تستخدم في مناطق مأهولة، لكن إفادات الجنود في التقرير تؤكد استخدام هذا النوع من القنابل في المناطق المأهولة.
كما تضمن التقرير شهادات عن هدم بيوت من دون أن تكون هناك حاجة، كما تحدث الجنود الذين أدلوا بشهاداتهم عن تدمير أملاك الفلسطينيين داخل البيوت وأعمال نهب وطهي طعام من مؤن تابعة للفلسطينيين الذين تم طردهم من بيوتهم.
جملة هذه الإفادات تعني نقدا من الداخل وشهادة من البيت نفسه، لا من أية جهة خارجة، وهو أمر يؤسف له ولا يمكن النظر إليه إلا في إطار ما تعودنا عليه بشأن الممارسات الإسرائيلية على مدار أكثر من ستين سنة.
وقد أكد ميخائيل مانكين من منظمة «كاسرو الصمت» إن "الإفادات تثبت أن سلوكا غير أخلاقي يسود المؤسسة العسكرية وليس بمستوى الجندي الفرد، وما عرّفه الجيش على أنه «استثنائي» بالأمس أصبح اعتياديا، وأضاف مؤكدا: "هذا الأمر يحتم إجراء بحث عميق وصارم، وهذه دعوة طارئة للمجتمع الإسرائيلي وقيادته لإعادة التدقيق في تبعات أفعالنا". لكن كما جرت العادة سارعت المؤسسة الإسرائيلية الرسمية إلى النفي، وهو أمر متوقع من قبل الدولة العبرية.
فقد رفض وزير الدفاع الإسرائيلي ايهود باراك أمس تقرير «كاسرو الصمت» وقال بلهجة واضحة: إن انتقادات هذه المنظمة أو تلك تجاه الجيش الإسرائيلي ليست في مكانها وتم توجيهها الى العنوان الخطأ، والجيش الإسرائيلي هو أحد أكثر الجيوش أخلاقية في العالم ويعمل وفقا لـ«كود» أخلاقي عال جدا.
والغريب أن الوزير الإسرائيلي يريد أن يحجر حرية الرأي حيث شدد على أن أي معلومات أو انتقادات من هذا النوع أو تحفظات، يجب أن توجه مباشرة إلى وزير الدفاع وليس لعامة الناس في شكل تقارير منشورة أو غيرها من وسائل إعلامية.
وهو أسلوب يدل على التمادي في لعبة التمويه وإخفاء الحقائق، ولهذا كنا قد رأينا كيف أن إسرائيل رفضت تقرير منظمة العفو الدولية، وأيضا تقريرها الداخلي من بين مؤسسات المجتمع المدني الإسرائيلي المحلية. والمشهد برمته يدل على أنه داخل المجتمع المدني الإسرائيلي ومؤسساته ثمة من يرفضون هذه الممارسات اللاإنسانية ويدينونها، وأنهم غير راضين قطعا عن الممارسات المخزية. كما يدل المشهد على أن كثيرا من الجنود كهذه المجموعة التي تحدثت في التقرير، يرفضون بعض التصرفات المشينة لكنهم يقدمون عليها بفعل الأمر الذي عليهم طاعته، في ظل التزامهم بالمنظومة العسكرية وأوامرها.
الناطق العسكري الإسرائيلي سارع لرفض التقرير امس ووصفه بأنه تجريح بحق الجيش وضباطه وينطوي على التشهير بهم لأنه يدور على إفادات خالية من التفاصيل الشخصية لمن أدلى بها ومعظمها تستند إلى إشاعات!!..
وإذا كانت هذه «الحقائق» إشاعات فما هي الحقيقة إذن في نظر جنرالات الحروب الإسرائيلية؟! هل الحقيقة هي أن الجيش الإسرائيلي «أخلاقي» وحريص أشد الحرص على المعاني الإنسانية في حروبه. وهل ما يجري طوال العقود السابقة من ممارسات لا تحصى هي أعمال أخلاقية؟!..
