بعد أن رسخت مكانتها المتفردة على خارطة العالم كمركز للتجارة وملتقى للأعمال، وبعد أن تحولت دبي من بقعة صحراوية نائية في الماضي، إلى مدينة تنافس في مكانتها وطموحها عواصم ومدنا عالمية عديدة، من حيث بنيتها التحتية الحديثة ونظمها الإدارية المتطورة، وقدراتها التنافسية العالية في استقطاب استثمارات متنوعة بعشرات المليارات من الدولارات، وصارت قبلة للسياحة العالمية وهدفاً مرسوما أمام وكالات الأسفار، تلبي رغبات الملايين من الناس من شتى أركان الأرض.

ودبي بهذا صنعت مقوماتها بنفسها وطوعت عوامل الطبيعة القاسية في قصة نجاح نادرة، لتكون وجهة مفضلة لأصناف من البشر توزعوا على كل قارات الدنيا.

وبعد أن استقطبت كثيراً من الفعاليات المؤثرة والمؤتمرات العالمية ونالت إعجاب وجوه بارزة في دنيا السياسة وعالم الاقتصاد والمال، جاءت تداعيات الأزمة المالية العالمية لتلقي بعضا من ظلالها على هذه الأعجوبة التي صنعها فكر ثاقب ورؤية حقيقية تلامس الطموح من خلال الإرادة والانجاز، بعيداً عن التمنيات والتخيلات التي لا تستند إلى قابلية على العمل والسهر، بل من خلال مبادرات ملهمة وخلاقة جعلت من هذه المدينة أمثولة للنجاح والإبداع.

ومع ذلك توجه إليها بين حين وآخر سهام النقد والتشفي من بعض أقلام غير منصفة، لا ترى من قصة النجاح سوى وجه واحد تأثر بأعراض أزمة عالمية طاحنة لم ترحم لا الكبير ولا الصغير، وبين كتابات أخرى تتسم بقدر من الموضوعية تؤكد أن دبي التي اندمجت بحكم طبيعة دورها وخططها في آليات الاقتصاد الدولي، من الطبيعي أن تتأثر بمقدار معين مما أصاب العالم من هلع وانهيارات صاحبت هذا التسونامي العالمي، وبالتالي فدبي ليست جزيرة منعزلة ولا تعيش في كوكب آخر..

وكل هذه المقالات التي تدبج عن دبي بسوء نية عن هذه التجربة النادرة في المكان والزمان، هي بلا شك كتابات حاقدة ومتشائمة لا تهدف سوى النيل فقط من هذه المدينة الحالمة والقادرة على النهوض والتجدد، والتي اختارت لها شعاراً دائما «نحن نسعى لتقديم الأفضل».

فنموذج دبي في البناء والتميز يحوز اليوم رضى وإعجاباً في كل العالم بلا استثناء، ومن ثم على الذين يطلقون سهام اللوم والتهجم، أن يعلموا أن دبي استثمرت أموالها في تشييد بنية تحتية وفوقية تستجيب لكل تطور العصر.

وإن ترتبت على هذه النهضة غير المسبوقة في تأريخ المنطقة ديون فهي لم تذهب إلى شراء وتكديس أسلحة وجيوش لا تحارب، إنما ذهبت أموالها في برنامج يمتلك رؤية حقيقية في جعل هذه المدينة خلال السنوات القادمة مقصداً للسياح والباحثين عن العلاج والاستشفاء، أو لمن يريد أن يتعلم الإدارة ويكتسب علومه بأفضل معايير الجودة.

كما أنها مدينة تعرف ماذا تريد، ولنساعدها على هذا بأقل القليل وهو التشجيع والتنبيه المنبعث من قلب وعقل محب لنجاح هذه المدينة أو الإمارة التي صرنا خلال سفراتنا إلى الخارج نفاخر بها الدنيا، بأن حاكمها عربي ومبدعها عربي حتى النخاع، أراد أن يسطر للأجيال القادمة حُلماً كبيرا بحجم مدينة عالمية تنبض بقلب وروح عربية..

ففي أميركا انهار أكثر من خمسين بنكاً لحد الآن في أقل من عام، بينما لا تجد بنكاً واحداً أغلق أبوابه أمام زبائنه في دبي. وقبل شهور ذهبت إلى البنك الذي أتعامل معه ولم أجد سوى ثلاثة أفراد أمامي في الطابور وأمس ذهبت ووجدت أمامي أكثر من عشرين متعاملاً..

أما البناية قيد الإنشاء والتي تجاورني في السكنى فلم تتوقف رافعاتها عن الحركة أبدا، ومترو دبي سينطلق في ميعاده، و3 مطارات كبرى أنجزت والرابع هو الأكبر في العالم ينتظر لمساته النهائية، وأشغال الطرق والجسور مستمرة والبنية التحتية ماضية في تطورها... وغيرها الكثير من المشاريع الواعدة. ولذا فالسنابل المثمرة هي التي تنحني قليلاً للعواصف، ومثلما يقول أستاذ بارز للعلوم السياسية «ليس عيباً مراجعة الخطط، إنما العيب في عدم مراجعتها».

فدبي الجميلة الفاتنة، أحسب أنها قد خرجت من عنق الأزمة وهي الأقوى، ولن يمر وقت طويل إلا وتكون قد قطفت ثمار إبداعها وصبرها على مكاره الحاسدين والشامتين، فهي بذلك تُشبه نجم كرة قدم بارع أصابه شلل عضلي في أحد ساقيه خلال واحدة من مبارياته العديدة، والجمهور المحب له ينتظر بشغف كبير عودته إلى الملعب ليخرس ألسنة الحساد والشامتين، بينما نجد أن الطبيب المعالج يقول إن هذا عارض بسيط أصابه بسبب المناخ السائد، ومع قليل من العناية وتحسن الجو سيقدم لنا أجمل فنون اللعب.

ودبي التي وضعها خريجو إحدى الجامعات الأميركية الجدد على مقدمة قائمة المدن التي يطمحون إلى العمل فيها، هي أيضا تلك التي قال عنها رجل أعمال عربي (بغض النظر إن كنت تحب نجاح دبي أو تكرهه، لكن اعطوني مدينة في العالم بمواصفات دبي وسوف أذهب إليها حالاً)..

نعم، أين تجد مدينة بمواصفات دبي التي قالت عنها أمي في زيارتها الأخيرة لي.. «يعيش عُمر النسر من بناها وأعلاها».

كاتب عراقي

al.dulaimi@hotmail.com