سلسلة خطابات «تاريخية» ألقاها الرئيس الأميركي باراك أوباما خلال ما يزيد على ثلاثة أشهر بقليل، في براغ يوم 5 ابريل الماضي بمناسبة انعقاد قمّة الاتحاد الأوروبي ـ الولايات المتحدة، وفي القاهرة يوم 4 يونيو الماضي عندما توجّه إلى العالم العربي، وقبلها أمام البرلمان التركي للحديث إلى العالم الإسلامي.

وفي موسكو يوم 7 من الشهر الحالي بمناسبة أوّل زيارة له إلى روسيا كرئيس، وقبل أيام في 11 يوليو الجاري بالعاصمة الغانيّة أكرا وكان الأفارقة بمجموعهم هم الذين توجّه إليهم آنذاك.

وما بين هذه الخطابات لم تكن قليلة التصريحات التي أدلى بها الرئيس أوباما في العديد من المناسبات، وخاصة بمناسبة انعقاد قمة مجموعة الدول الثماني الكبرى في إيطاليا، الأخيرة في هذه الصورة إذ سوف تتم اللقاءات مستقبلا على نطاق أوسع، كما تدلّ مؤشرات كثيرة، بوجود الدول المسماة ب«الصاعدة» ودول أخرى أقل نموّا.

ومن خلال سلسلة الخطابات وما رفدها من تصريحات ذهبت في نفس نهجها، يمكن استشفاف الخطوط العامة للتوجهات العريضة التي تسير عليها السياسة الخارجية للرئيس باراك أوباما وإدارته.

ويبدو أن الهدف الجوهري الذي يسعى إلى تثبيته هو موقع أميركا في العالم، ولكن ليس على أساس مبدأ التلويح ب«عصا التأديب» الذي ساد في ظل إدارة الرئيس السابق جورج دبليو بوش، وإنما عبر ترميم تحالفات أميركا في الخارج. المهمّ هو أن تبقى الولايات المتحدة هي المركز «الأخلاقي» الذي يلتف الآخرون حوله، ذلك أن «الزعامة الأخلاقية هي أمضى وأكثر قوّة من أي سلاح آخر» حسب قوله.

وأكّد أوباما في جميع خطاباته أن الولايات المتحدة تبحث جادّة عن نسج علاقات «نظيفة» وقائمة على الاحترام المتبادل، ليس من باب إعلان المبادئ فقط، ولكن على خلفية القناعة أن هذه هي الوسيلة الأفضل من أجل تجاوز الخلافات وخدمة المصالح المشتركة.

ويتم التأكيد في نفس السياق على أن الولايات المتحدة مصممة على تعزيز تحالفاتها، وإقامة تحالفات جديدة في منظور مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. هذه الرؤية المستقبلية حول قرن أكثر هدوءاً واستقرارا، ترددت أيضا في جميع خطابات أوباما.

هكذا أكّد في جميع الأماكن التي توجّه فيها إلى الجمهور العريض، الروسي أو العربي أو الإسلامي أو الإفريقي، على أن الولايات المتحدة سوف تقوم بإعادة تنشيط دورها في العالم، على أساس ما اعتبره القيم الأميركية «العريقة». وكانت ملامح هذا التوجّه قد بدت منذ الزيارة الأولى التي قام بها إلى الخارج لحضور قمّة العشرين في مطلع شهر أبريل الماضي في لندن، ثمّ تثبّت تدريجيا في جميع المحطات التالية.

ويطرح أوباما نفسه كرجل مبادئ ورجل عملي يقيم حساباته على أساس الواقع قبل أي شيء. هذا مع التأكيد في نفس الوقت على ضرورة أن يتحمّل الجميع، كل في موقعه، مسؤولياتهم حيال بلدانهم ومناطقهم وحيال العالم، إذ «من السهل تحميل المسؤولية على الآخرين» و«مستقبل إفريقيا مسألة الأفارقة»، كما ردد قبل أيام في أكرا.

ويتمثُل أحد المواضيع التي يوليها أوباما اهتمامه الخاص، في الحد من انتشار الأسلحة النووية وتقليص ما هو موجود منها، وصولا إلى «عالم بلا سلاح نووي». لقد اقترح في خطابه في براغ يوم 5 أبريل الماضي، تبنّي «استراتيجية راديكالية» لمواجهة التهديد النووي الدولي، وتقليص الترسانات النووية الموجودة والتخلّص منها نهائيا بعد أجل.

وكرر نفس الاقتراح في موسكو، ثمّ ذهب أبعد أمام قمة مجموعة الدول الثماني الكبرى في إيطاليا قبل أيام، عندما اقترح عقد قمّة دولية مكرّسة للمسألة النووية في العالم خلال شهر مارس من عام 2010. لا شكّ أن الملف النووي الإيراني لم يكن بعيدا عن ذهنه في كل المرّات.

ومن خلال مختلف الخطابات التي ألقاها خلال الأشهر الماضية التي تلت استلامه لمهام منصبه الرئاسي، أكّد أوباما خطأ فكرة شاعت في تحليلات «الخبراء»، ومفادها أنه سوف يكرس جهوده للشأن الاقتصادي الأميركي الداخلي ومواجهة آثار الأزمة المالية العالمية الضاربة، وبالتالي سوف «يترك» في مرحلة أولى السياسة الخارجية لنائبه ولوزيرة خارجيته.

ما حصل في الواقع هو عكس ذلك تماما، إذ طرح أوباما منذ البداية ودون تأجيل الملفات الأكثر «سخونة» على صعيد السياسة الخارجية، على أساس أن حل كل مشكلة يبدأ بمواجهتها.

وهكذا كان أوباما واضحا في القول منذ وصوله إلى البيت الأبيض أنه لا يمكن الانتظار، كما فعلت جميع الإدارات السابقة، في العمل من أجل إحلال السلام في الشرق الأوسط على أساس الدولتين والسلام والأمن. وقرن القول بالعمل عبر تعيين موفد أميركي خاص إلى المنطقة، للعمل على تحقيق مثل هذا الحل.

هكذا، عبر الجمع في حديثه إلى العالم بين لغة المبادئ الأخلاقية والتعامل العملي مع الواقع وتأكيد أهمية المصالح، يرسي أوباما التوجهات التي تقوم عليها سياسة أميركا الخارجية في السنوات القادمة. إنّه بصدد دخول التاريخ من أوسع أبوابه، وقد كسب رهان الخطوات الأولى في تأكيد أنه يعرف كيف يجعل الآخرين يصغون إليه باهتمام و«مودّة».

كاتب سوري مقيم في باريس

mohaklouf@yahoo.fr