شعوب القارة الإفريقية ليست بحاجة إلى «مكافحة الإرهاب» على الطريقة الأميركية، بقدر ما هي بحاجة إلى مكافحة الفقر على الطريقة الصينية. من خلال خطابه المطول الذي ألقاه على برلمان غانا هذا الأسبوع، بدا الرئيس الأميركي باراك أوباما وكأنه يدشن حملة أميركية للتسابق مع البرنامج الصيني الاقتصادي للانفتاح على إفريقيا في إطار شراكة تنموية بعيدة المدى تعود بالنفع الاقتصادي المثمر بين الطرفين. فإلى أي مدى يمكن لشعوب القارة أن تأخذ مأخذ الجد تلك الوعود الرنانة التي حفل بها خطاب أوباما؟
مثل هذه الوعود سمعتها هذه الشعوب قبل ذلك من الرئيس بيل كلينتون حينما قام بجولة في عدد من بلدان القارة خلال النصف الثاني من عقد التسعينات.
لكن ما جرى على الصعيد التطبيقي بعد ذلك وحتى الآن، ليس سوى استمرار النهج التقليدي الأميركي في الدعم الأمني لأنظمة استبدادية فاسدة، لا هاجس لها سوى ابتداع تشريعات لتمكين الشركات الأميركية من مواصلة النهب المنظم للموارد والثروات المحلية بصورة غير مشروعة، مع قمع الحركات الاحتجاجية الوطنية ضد هذا النهج.
والآن وما بين عهد كلينتون وعهد أوباما لا تتوافر أي مؤشرات واضحة تفيد بأن تغييرا جذريا قد طرأ على هذا النهج، إلا إذا استثنينا حقيقة أن خطابات أوباما تتميز بمعمار لفظي خلاب.
الولايات المتحدة بدأت تستشعر تخوفا متعاظما من تنامي النجاح الصيني في القارة الإفريقية. فالشراكة الصينية مع بلدان القارة تقوم على برمجة تنموية. استثمار وفق خطط مدروسة لإقامة مشاريع البنى التحتية، مع مشاريع أخرى لاستغلال الثروات الوطنية في مجالات إنتاجية كالنفط والمعادن الثمينة. ويضاف إلى ذلك توسيع نطاق التبادل التجاري بين الطرفين.
في خطابه أمام البرلمان الغاني، أدان الرئيس أوباما الأنظمة الانقلابية في القارة والأنظمة الاستبدادية الأخرى التي تتشبث قياداتها بالسلطة عن طريق انتخابات مزورة، أو التلاعب بالنصوص الدستورية من أجل إبقاء الرئيس على القمة السلطوية مدى الحياة. ولكن هذه جميعا هي ذات الأنظمة المفضلة لدى واشنطن، وتتمتع بحماية أميركية مستديمة ضد حركات المعارضة الوطنية، وذلك باسم «مكافحة الإرهاب».
لقد دخل الرئيس أوباما البيت الأبيض قبل ستة شهور تحت شعار «التغيير». لكن تحركه على الصعيد الخارجي حتى الآن لا يثبت سوى أن إدارته لا تختلف جوهريا عن الإدارات السابقة، من حيث عسكرة السياسة الخارجية باسم مكافحة الإرهاب.