لما كان التعليم أهم الركائز في حياة الشعوب والتي تبنى على أساساتها الأمم التي أنى لها أن تتطور إلا به، ولن تستطيع أن تكتب مجدها إلا به، ولما كان التعليم أعظم استثمار قومي ينقل الناس من الظلمة إلى النور ومن التخلف إلى التحضر والرقي، فإن الرؤية الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ اتجهت منذ إعلانه انطلاق النهضة المباركة الشاملة إلى اعتماد التعليم كرافعة ووسيلة أوحد قادرة على بناء الكوادر الوطنية الشابة لتقود قاطرة التقدم والتحضر.

وتفي بمتطلبات العصر، وتحقق أركان النهضة في شتى ربوع البلاد، ولذلك جاء الإعلان واضحًا (سنعلم أبناءنا ولو تحت ظل الشجر) في لغة تحمل مضامين التحدي والعزم والإصرار على تكوين الفرد باعتباره اللبنة الأساسية القادرة على تحويل الأفكار والخطط المرسومة إلى حقيقة واقعة.

ولكونه قطب الرحى الذي تدور حوله التنمية، فقد كانت المهمات الأولى هي القضاء على أمية الأفراد بتغيير سلوكهم وطريقة تعاملهم مع المجتمع والارتقاء بتفكيرهم، وهذا العمل يذكرنا بما قام به رسول الهدى عليه الصلاة والسلام في بداية الدعوة عندما سعى إلى القضاء على الأمية حين جعل فداء أسرى بدر أن يعلم كل منهم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة، لتهيئتهم لواجبات قادمة يتوقف عليها اكتمال الدعوة الإسلامية وتبليغها إلى الناس.

وإيمانًا من جلالته ـ حفظه الله ورعاه ـ بضرورة تغذية عقل الإنسان العماني بشتى العلوم والمعارف والحقائق وتنمية اتجاهاته وقيمه وتحصينه، فقد وجه بسرعة إنشاء المدارس، مستعينًا بالعلاقات الطيبة التي تربطه بإخوانه قادة الدول العربية لجلب المعلمين، وجعل التعليم إلزاميًّا ومجانيًّا رغم الموارد المحدودة آنذاك، غير أن النقلة النوعية والزمن الوجيز منذ ذلك الحين وحتى اليوم برهنتا على عمق التجربة وبُعْدِ النظر في استشراف آفاق المستقبل.

وأن المراهنة على عامل الزمن في تحقيق التقدم كان سمة بارزة وتمثل ذلك في الانتشار الواسع للمدارس والجامعات والكليات الحكومية والخاصة وحلول المعلم العماني مكان المعلم الوافد الذي أدى رسالته وأمانته على أكمل وجه، فهناك في الجوار وما بعد الجوار حراك ثقافي وعلمي ومعرفي وتواصل حضاري لا بد من مواكبته والاستفادة منه بشتى الطرق والتواصل معه، وبالتالي الانغلاق والانكفاء على النفس أمران مرفوضان وغير خاضعين لقوانين الكون وسنن الحياة.

طالما أن ثمة حكمة وجود لا بد من تحقيقها وفق ما هو مرسوم لها، ولذلك كانت توجيهات جلالته ـ أعزه الله ـ أن يتم ربط المتعلم بماضيه وحاضره تحقيقًا وربطه أيضًا ببيئته وتراثه وصولاً إلى مبدأ التكامل في التربية والتعليم بهدف تكوين جيل متكامل متحضر يضطلع بمسؤولياته التي خلق من أجلها وهي عمارة الأرض والحياة، وليكون مشعل هدي ونور يهتدى به، مستفيدًا مما ينتجه العلم الحديث من نظريات واختراعات وابتكارات وإخضاعها لخير نفسه ومجتمعه، فهو التعليم المنشود الذي يربي الفرد وينمي شخصيته ويدفعه نحو النبوغ والريادة والخير والفضيلة.

وبناء على هذا الأساس كرست المؤسسات التربوية والتعليمية جهدها لتطوير التعليم ليتواكب مع متطلبات العصر واحتياجات التنمية بكافة عناوينها من ناحية، ويربط المتعلم ببيئته ويغرس فيه الانتماء لوطنه وقائده ويلبي حاجات السوق من ناحية أخرى.

إلى جانب أن عملية التطوير أعطت المتعلم حيزًا كبيرًا لأن يبحث ويبدع؛ وهو ما يعرف في طرق التدريس بطريقة الطالب المعلم، بحيث يكون المعلم مجرد مرشد وموجه للطالب نحو المراجع وتثبيت المعلومة وتوضيحها، وهذا بدوره يغرس دافعية البحث والاعتماد على الذات لدى المتعلم ويربيه على حب العمل ويبعده عن الكسل.

وفي ظل عصر التكنولوجيا الحديثة والانفجار المعرفي والمجتمع المعلوماتي استطاعت مؤسسات التعليم في السلطنة الاستفادة منها للتيسير على المعلم في شرح المنهج وإيصال المعلومة، وللتسهيل أيضًا على الطالب في عملية البحث والدراسة والاستزادة، حيث تم تزويد دور التعليم بمراكز مصادر التعلم وإدخال تخصص تقنية المعلومات، وإنشاء كليات ومعاهد متخصصة تعنى بهذا الجانب، وكل ذلك يصب في إطار سياسة تنويع التعليم باعتباره حقًّا مكفولاً للجميع.

أخيرًا يمكن القول إن ما كان في حكم المستحيل أمس أصبح اليوم حقيقة ساطعة، بفضل العزيمة والإصرار اللتين بهما أبت هامات الرجال أن تنحني مستسلمة، ولتمضي مسيرة النهضة تشق طريقها نحو غاياتها المرسومة والموسومة بفكر قائدها.