يتمثل دور التعليم في تكوين الشخصية باعتبارها جوهر الدولة، وأساس الحضارة، فإن صلحت صلح باقي الجسد، وإن فسدت فسد كله، وهي مرحلة يتجاوز بها التعليم العالي مراحل التعليم قبله، ويصل بها إلى مرحلة أعلى من العمل الفكري والإداري وفي شتى الميادين.
وهذا غير ممكن دون تخريج شخصية قادرة على الحوار، وغير متعالية عليه، وغير رافضة له في الآن نفسه. ونعتقد أن تحقيق هذه الغاية يكون عن طريق انتهاج طرق التدريس التفاعلية الحوارية، وتوسيع مجالات التفاعل بين الطالب والطالب عن طريق تطوير وتشجيع ورش العمل والجمعيات العلمية الطلابية، لأنها تسمح بوسط يوجه فيه النقد الإيجابي على مستوى أفقي واحد من الطالب إلى الطالب، وليس على مستوى رأسي فيه تفاوت بين الطالب والأستاذ.
في هذا السياق تظهر أهمية تطوير لوائح ونظم التدريس، بحيث لا يتم الضغط على الطالب بالمادة العلمية إلى الدرجة التي لا يستطيع معها أن يفكر فيها على مسافة منها، وتكوين فرق بحثية صغيرة العدد نسبياً.
بحيث يعمل كل فريق في مشروعات بحثية محددة، تحت إشراف عضو هيئة تدريس من ذوي النشاط البحثي المتميز والمستمر وأصحاب أو أعضاء المدارس البحثية العالمية، لتحقيق تواصل أكثر عمقاً بين الطلاب وأعضاء هيئة التدريس، بشكل أكثر عمقاً على المستوى المعرفي وإكساب الطلاب المهارات البحثية عند مستوى الدرجة الجامعية الأولى، وهو اتجاه عالمي استجابة للانفجار المعرفي والمتطلبات الحديثة لسوق العمل..
وإكساب كل الطلاب النظاميين المهارات العامة لسوق العمل، مثل اللغة الإنجليزية والحاسب الآلي ومهارات التفاوض وإعداد التقارير وإدارة الاجتماعات.
لا شك أن الجامعات الإماراتية ستحتاج إلى جهود لاستبعاد التخصصات التي تحلق خارج التاريخ في موضوعات مستهلكة، وتفتح في المقابل تخصصات وأقساماً ترتبط بسوق العمل ويحتاجها المجتمع المحلي والعالمي.
ويمكن في هذا الشأن أيضاً منح مساحة أكبر لمراجعة متواصلة ودورية للمحتوى التعليمي وحجم الجرعات العلمية التي يتلقاها الطلاب، وذلك من خلال إشراك هيئة التدريس في برامج التطوير التي تنظمها الجامعات الإماراتية، والسعي إلى العثور على آلية فاعلة توائم بين المأمول والواقع في تقويم المنتج التعليمي للطلاب وثمار البحث العلمي، وذلك من خلال عقد لقاءات منتظمة تستمع إلى وجهات النظر المختلفة من قبل الطلاب والأساتذة.
ومن أهم النقاط الجوهرية في تطوير التعليم العالي، البحث عن موارد مالية بديلة ضمن القنوات الشرعية في الدولة، وبصفة خاصة من خلال تنمية المراكز البحثية الخاصة، والخدمات التعليمية مدفوعة الأجر، وتبني الأنشطة البحثية المشتركة مع القطاع الخاص، وتوسعة مظلة الاتفاقات العلمية مع جامعات ومؤسسات بحثية عالمية لديها القدرة على تمويل عدد من المشروعات العلمية بشكل دوري.
ولا بد من توفير مكتبات غير تقليدية، لا تحد منها روتينات الاستعارة وتبادل الكتب. فيتم خلق مكتبات رقمية تتواصل مع الطالب عبر شبكة الانترنت، أو تقدم لهم نسخاً الكترونية من الكتب والمراجع. وفي ظل ذلك ستحتاج المكتبات إلى جيل جديد من أمناء المكتبات الذين يجيدون التحدث بلغة المكتبات الرقمية.
وعلاوة على الدور التعليمي للجامعات الإماراتية، يجب أن تضطلع الجامعات بتقديم خبرات علمية متعمقة في مختلف المجالات التي تهم المجتمع والحكومة والمؤسسات المتنوعة، من خلال الدراسات الأكاديمية الاستراتيجية في القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية، عبر مجتمع المعرفة ووحدة العلوم الإنسانية والاجتماعية وتكاملها في معالجة الموضوعات من مختلف الزوايا، وعدم الاستغراق في التخصصات الأكاديمية الضيقة، فالعالم اليوم هو عالم وحدة المعرفة.
وكذلك تطبيق المنهج العلمي بعيداً عن الأهواء في كل القضايا، وتقديم أفضل الخدمات البحثية، والاهتمام بالعنصر البشري من خلال التدريب والتطوير الدائمين، في إطار استراتيجية واضحة وتوجه أكاديمي أصيل. وتركيز الاهتمام على كشف الحقائق وإمكانية تعميمها من أجل توسيع المعارف البشرية، وتعزيز القدرة الإنسانية للطلاب على استغلال هذه المعارف لتحقيق الأهداف الحيوية للدولة الإماراتية.
فلا قيمة لدراسة بحثية لا تفيد المجتمع، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.. ودعم مسيرة التنمية في الدولة الإماراتية عن طريق تزويد المجتمع الإماراتي بكوادر وطنية فنية مدربة، وصولاً إلى مستويات تنافسية عالية على المستوى المحلي والدولي، وعلى المستوى الحكومي والخاص والمجتمع المدني، من خلال تشخيص الاحتياجات.
واستحداث مناهج جديدة قائمة على أسس البحث العلمي الخلاق، والنمو في تصميم المشاريع البحثية، والتميز في أداء الباحثين والطلاب، والتطور في النظام الإداري، والبحث في قضايا الدولة الإماراتية والمجتمع العالمي.
ولا بد أن تولي خطط الجامعات الإماراتية اهتماماً كبيراً لقطاع البحوث باعتباره حجر الزاوية في تطوير البحث العلمي؛ وهنا أؤكد على ضرورة ربط الأبحاث بقضايا وأزمات المجتمع الإماراتي، وإجراء الأبحاث الجديدة حول القضايا الحيوية الملحة، ومحاولة تقديم رؤية علمية للمشكلات وطرق حلها.
فالعالم في سباق للوصول إلى أكبر قدر ممكن من المعرفة الدقيقة، المستمدة من العلوم التي تكفل الرفاهية للإنسان، وتضمن له التفوق على غيره.. فضلاً عن تسويق الإمكانيات البحثية لكليات الجامعة، وتوجيهها نحو تقديم استشارات وبحوث واقتراح خطط نوعية لتطوير الشركات والمصانع، لرفع أدائها الإداري، وتطوير آلاتها، وتحسين المواد الخام أو اقتراح بدائل لها أفضل وأرخص، والارتقاء بجودة منتجاتها.
ومن هنا يجب وضع توجيهات استراتيجية عامة للأبحاث الجامعية لربطها بمشكلات الواقع، مع التركيز على الأبحاث ذات الطابع المعاصر والقضايا الحية، وتوجيه الأقسام العلمية نحو مراعاتها في الأبحاث.
ولا يمكن إحداث نهضة حقيقية في التعليم الإماراتي، دون دعم حرية البحث العلمي المتسق مع ثقافة المجتمع وثوابته. وعلينا أن نأخذ في الاعتبار ترسيخ مفاهيم عدم تعارض الإبداع مع الأعمدة الأساسية المرتكزة عليها هوية الأمة الاتحادية الإماراتية.
جامعة الإمارات
