مع تغير الظروف الدولية بنهاية الحرب الباردة وتفكك القطب السوفييتي وغياب حلف وارسو، وببقاء القطب الأميركي وتوسع حلف الناتو، وغياب الصراع بين القطبين الكبيرين، واختفاء شبح الحرب النووية بين موسكو وواشنطن، رأى البعض في ذلك سببا لانتهاء دور حركة عدم الانحياز أو على الأقل لتغيير هذا الدور.. فهل حقا انتهى دور الحركة، أم تغير أم تطور، وصولا لنفس الأهداف ووقوفا على قاعدة ذات المبادئ؟
ما يبدو لنا من خلال مسيرة هذه الحركة بتاريخها الطويل لنصف قرن، وبحجمها الكبير اليوم بعضوية 118 دولة تمثل ثلثي أعضاء الأمم المتحدة، وبتكيفها مع المتغيرات الدولية، وبعقد دورتها الخامسة عشرة في مصر كواحدة من أبرز مؤسسيها، هو أن فلسفتها لا تزال ملهمة ومنتجة، وأن دورها لا يزال مطلوبا..
ذلك أن الحركة برفضها سياسة الأحلاف والتبعية، وتأكيد نهج الاستقلال السياسي والاقتصادي والعسكري عن سياسة الالتحاق بأي من القطبين، هدفت إلى هدفين، الأول، هو مصلحة الدول الصغرى النامية بألا تقف موقف العداء مع هذه الكتلة أو تلك، وبالتالي تجنب شعوبها التورط في حروب الكبار على أرضها بغير قرار منها وعلى حساب سلامها وأمنها..
والثاني، هو أن التحالف أو الشراكة غير المتكافئة بين دولتين صغرى وكبرى، هو نوع من وصاية الأكبر على الأصغر بما يحقق مصلحة الأكبر، أو من تبعية الأصغر للأكبر على حساب مصلحة الأصغر، بينما القيمة الكبرى لسياسة عدم الانحياز تكمن في تجنب خطأ الوقوع في موقع الحليف الأضعف أو الشريك الأصغر.
وفي ما يتصل باستمرار دورها مع المتغيرات، فإن انتهاء الحرب الباردة نتيجة غياب القطب السوفييتي، وبقاء القطب الأميركي الواحد، لا يلغي ضرورة عدم الانحياز للقطب الواحد أو الحلف الواحد والوقوع في التبعية لسياسة إمبراطورية أحادية، بل لعل هذا الدور في الواقع الجديد قد بدأ يتضاعف بفقدان هامش المناورة في ظل التوازن بين القطبين!
من هنا، وعندما انتهي صراع القطبين بعد سقوط جدار برلين ليبقى على الساحة قطب واحد، مدفوعا بفائض القوة ونشوة النصر إلى وضع «استراتيجية القرن الأميركي»، في محاولة للسيطرة وحيدا على العالم كله تحقيقا لمصالحه الاستراتيجية الإمبراطورية، يكون استقلال العالم الثالث الذي كان الحفاظ عليه هو الهدف الرئيسي لانطلاقة حركة عدم الانحياز، مهددا في ظل القطب الأميركي الواحد بصورة أكبر مما كان في ظل صراع القطبين.
وعندما أطلق الزعماء الثلاثة، ناصر ونهرو وتيتو، هذه الحركة في ظل الحرب الباردة، لمنع مخاطر الحرب النووية الساخنة بين القطبين، كانوا في الواقع يدركون أن صراع القطبين هو على مد مناطق النفوذ لكل منهما للسيطرة على الدول الصغرى وعلى العالم، وحتى لا تكون الدول الصغرى حديثة الاستقلال هي ساحة حروبهما الساخنة، برزت سياسة عدم الانحياز وكان الهدف الرئيسي منها تأكيد الاستقلال الوطني.
وذلك بإيجاد عالم ثالث يرفض سياسة الأحلاف السياسية والعسكرية مع القوى الكبرى، حتى لا يقع في التبعية للقطب الأول أو للثاني، وليجنب شعوبه المستقلة خطر أن تكون ساحة لصراع المصالح الكبرى، أو أن تسقط تحت نفوذ أي منهما وتدفع ثمن اللعب مع الكبار!
وهذا يدعونا أكثر من أي وقت مضى، إلى تأكيد ضرورة سياسة عدم الانحياز وتقوية دورها وتعميق مبادئها في السياسة الدولية.. فما زال لديها ما يمكن أن تقدمه لشعوبها ولعالمها، في اتجاه الاستقلال والتنمية والسلام لدول الجنوب النامية، ولنصرة قضايا الحق والعدل والحرية في العالم.