بعد أن نجح لبنان في عبور استحقاق كبير من الاستحقاقات الهامة التي كانت تنتظره عبر الانتخابات التشريعية، وبعد أن عبر أيضاً مرحلة انتخاب رئيس للبرلمان، وتكليف النائب سعد الحريري بتشكيل الحكومة الجديدة، بعد هذا كله فإن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ينتظرون من حكومة سعد الحريري القادمة اهتماماً خاصاً بأوضاعهم المعقدة.
حيث ما زالت الغالبية منهم تئن تحت أوجاع التشريعات والقوانين اللبنانية التي صدرت بشأن أوضاعهم تباعاً منذ العام 1948، وهي التشريعات والقوانين التي قيدت حركة وحرية وعمل المواطن الفلسطيني المقيم في لبنان منذ عام النكبة، وأسست لبقاء واستمرار حالة الفاقة والحرمان التي ما زالت تعاني منها مخيمات وتجمعات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.
فقد بقي على الحكومة اللبنانية القادمة بقيادة سعد الحريري، ومعها قوى الشارع اللبناني العتيدة من موالاة ومعارضة على حد سواء، أن تلتفت قليلاً لتنظر بعينيها مدى الظلم والإجحاف الذي لحق وما زال بالتجمع الفلسطيني اللاجئ إلى لبنان منذ عام النكبة. وبقي عليها أيضاً أن تعلي الصوت ممزوجاً بشيء من العاطفة الإنسانية، قبل أن نقول القومية المشتركة من أجل حل القضايا المعلقة التي استعصت منذ سنوات طويلة، دون أن تجد لها نصيراً فاعلاً وقادراً على طرحها وحملها في الشارع اللبناني وعلى المستوى الرسمي.
فما زال الفلسطينيون في لبنان ممنوعين من العمل في حوالي ثلاث وسبعين مهنة، ومحرومين من حمل بطاقة العمل، وكل هذا تحت شعار «محاربة التوطين»؟ وهو الشعار الاستعمالي الاستخدامي الذي ولد نتائج سلبية مباشرة، دفعت بآلاف من فلسطينيي لبنان للهجرة إلى خارج لبنان.. في وقت يحظى فيه عشرات الآلاف من أفراد العمالة الوافدة، وفرق الرقص والستربتيز، من سريلانكا والبنغال وأفريقيا ودول الكتلة الشرقية سابقاً، بحقوق العمل والإقامة الكاملة.
هذا إذا ما تذكرنا أن هجرة وتطفيش الفلسطينيين نحو البلدان البعيدة، ترافق معها فعل مشبوه وغير بريء، تمثل في تواصل عمليات التشطيب البطيئة في قيود وسجلات من يغادر الأراضي اللبنانية من اللاجئين الفلسطينيين نحو بلدان المهاجر البعيدة في كندا وأستراليا وغيرها، بينما يفتقر أكثر من 25 ألف فلسطيني من أبناء الضفة الغربية وقطاع غزة المقيمين في لبنان (نتيجة ظروف معينة)، لأية أوراق ثبوتية أو سجلات نفوس عائلية، ويعيشون تحت الرحمة بين الطارق والسماء.
وعلى هذا الأساس لم يعد باستطاعة أحد أن يتنبأ بالمحصلة النهائية لأعداد اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، فقد قدم إلى لبنان عام النكبة
(1948) نحو 120 ألف لاجئ فلسطيني، من مناطق الجليل وعكا والشمال الفلسطيني، يفترض أن تكون أعدادهم قد قاربت ال600 ألف نسمة عند حسبان الزيادة الطبيعية، ولكن من يدري؟
فكل المعطيات تقول بأن أعداد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان لا تصل في أفضل الأحوال إلى رقم ال220 ألف نسمة، بعد أن غادرت أعداد كبيرة منهم الأرض اللبنانية نحو أصقاع العالم، تحت وطأة المعاناة والحرمان من أبسط حقوق البشر، خصوصاً حق العمل والتنقل والأمن، هذا بعد إسقاط أعداد منهم تتراوح بين 50 إلى 70 ألف نسمة، ممن شملهم التجنيس عام 1958 لأسباب معلومة.
وبالرغم من التخفيف البسيط على القيود المفروضة على المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان بشكل عام منذ عدة سنوات، إلا أنه ما زال ممنوعاً إدخال أية مواد بناء للمخيمات الفلسطينية لأغراض الترميم وإصلاح ما هدمته جولات الحروب الدموية السابقة التي استهدفت الفلسطينيين، وتحولت عملية إدخال المواد الأولية إلى تجارة رائجة ورابحة لدى بعض أصحاب السطوة من القوات الرسمية وأجهزة الأمن المتواجدة على مداخل المخيمات، خصوصاً مخيمات الجنوب في مدينتي صور وصيدا.
حيث يصبح من خلالها ثمن كيس الإسمنت الواحد داخل المخيم الفلسطيني عشرات أضعاف ثمنه خارج المخيم، وكذا باقي الاحتياجات من المسمار الحديدي إلى خشب النافذة والأبواب. فمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الجنوب محاصرة عملياً من كافة المداخل الرئيسية، بحواجز الأمن اللبناني التي تدقق في هوية القادمين والمغادرين من المدنيين.
وفوق كل المآسي المشار إليها، ما كل ولا مل بعض الأصوات التي تصحو بين الفينة والفينة لتتحدث عن معزوفة الجزر الأمنية، في ظل مأساة الانتشار الفوضوي لبعض المظاهر المسلحة من قبل أطراف ليست فلسطينية بالمطلق ولا علاقة لها بمنظمة التحرير الفلسطينية أو أي من فصائلها.
ومهما كانت الأسباب والمبررات، ليس جائزاً أن ترتفع الأصوات المنادية التي تتحدث عن السلاح الفلسطيني، في وقت ما زالت فيه المخيمات والتجمعات الفلسطينية بعيدة عن احتضان وحماية الشرعية اللبنانية، بل وتغرق في البؤس الذي رافق نشوءها وأصبح سمتها الغالبة، حيث لا يليق بلبنان البلد الحضاري، أن يبدو غير معني بهذا التحدي لكل ما هو حضاري وإنساني على أرضه.
فمعضلة السلاح الفلسطيني في لبنان مسألة مترابطة مع عنوانين آخرين: أولهما توفير الأمن المجتمعي للفلسطينيين في غياب دور الشرعية اللبنانية. وثانيهما توفير كل أشكال الرعاية والحقوق المدنية وردع سيادة المنطق الاضطهادي «العنصري» تجاه الفلسطينيين، وهو منطق لم يكن ابن لحظته، بل كان تاريخياً هو المنطق السائد في التعاطي الرسمي اللبناني مع شعب شقيق لجأ إلى لبنان مؤقتاً بفعل ظروف قسرية.
وعليه، فإن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ينظرون بجدية وتفاؤل إلى التحسن العام في مناخات الأوضاع اللبنانية الداخلية، مستبشرين بأنها ستنعكس عليهم بشكل إيجابي من جهة إعادة النظر في التشريعات المجحفة التي صدرت تباعاً بشأن حقوقهم المدنية، في وقت بات الجميع يدرك أن الفلسطينيين في لبنان يرفضون بكل إصرار وعناد مشاريع التوطين التي تحاك ضدهم داخل كواليس الدبلوماسية السرية. فهم في الوقت الحالي أشد وعياً وأكثر تصميماً على التمسك بحقهم في العودة إلى فلسطين، طال الزمن أم قصر.
كاتب فلسطيني