تميزت أجواء القمة الروسية الأميركية بحالة إيجابية، وحرص الجانبان على إطلاق حوار صريح ومثمر، نحو تسوية كافة المشكلات والأزمات الدولية، ويبدو أن مختلف الملفات الدولية شهدت تقاربا وتفاهما بين إدارة أوباما والكرملين، وبقى ملف الأسلحة الاستراتيجية الهجومية والدفاعية مثار جدل بين روسيا والولايات المتحدة.

وقد تطرق الرئيسان أيضا إلى ملف الناتو بمختلف جوانبه، وتوصلا إلى اتفاق حول إمداد قوات حلف الأطلسي في أفغانستان بالمؤن والذخائر، وبحثا أيضا نقاط الخلاف الأساسية .

والتي تتمثل في طلب جورجيا وأوكرانيا الانضمام لعضوية حلف الناتو، إلا أن البيان الختامي لم يتضمن إشارة إلى هذا البند، ما يعنى أنه مازال ضمن قضايا الخلاف التي لم يحقق الجانبان تقدما يذكر فيها.

ولا شك أن شروط موسكو الخاصة بقبول مقترح واشنطن بشأن تقليص الرؤوس النووية إلى حوالي ألف وخمسمئة، مقابل تجميد مخطط نشر الدرع الصاروخية الأميركية في شرق أوروبا صعبة المنال، لأن الولايات المتحدة ستنهي كافة التجارب والتصاميم خريف العام الجاري، ما يعنى أنها ستبدأ في تنفيذ مخططها العام القادم، ما لم تظهر عقبات أو تتخذ قرارات جديدة.

ويمكن اعتبار الشرط الروسي هو سقف المفاوض الروسي الذي يشكل الحصول عليه انتصاراً كبيراً، إلا أن المفاوض الروسي لابد أنه حدد السقف الأدنى الذي يمكن أن يحصل عليه في هذه المساومة، ويمكن أن يكون تجميد طلب جورجيا وأوكرانيا الانضمام إلى حلف الناتو هو الحد الأدنى الذي يقبل به المفاوض الروسي.

إن انضمام البلدين المذكورين إلى حلف شمال الأطلسي مازال محملا بمشاكل وأعباء كثيرة، بدءاً من اعتراض فرنسا ودول أوروبا القديمة بسبب حالة عدم الاستقرار السياسي وتدهور الوضع الاقتصادي في البلدين، بالإضافة إلى ضعف القدرات العسكرية لقوات جورجيا وأوكرانيا، ما يعنى أن هذين البلدين لن يكونا إضافة لحلف الناتو وقدراته، وإنما يشكلان عبئا عسكريا واقتصاديا على الدول الأعضاء في الحلف.

ويجب أن لا ننكر أن القيادتين الجورجية والأوكرانية تسعيان للانضمام لحلف شمال الأطلسي بهدف إيجاد مخرج من أزمات البلدين، وتعرضان في المقابل الولاء للغرب في مواجهة روسيا. وفي حال توصل روسيا إلى تسوية مع الغرب، لابد أن تفقد أوكرانيا وجورجيا أهميتهما ولو لفترة مؤقتة، ويصبح استيعابهما في الناتو أمرا مؤجلا لحين الحاجة.

ولا ينتهي الموقف عند هذا الحد، لأن الشارع الأوكراني غير متعاطف مع طلب الانضمام لحلف الناتو، وبالتالي أي تغيير في القيادة السياسية يمكن أن يبعد أوكرانيا عن الغرب نحو روسيا، وهو ما يراهن عليه الكرملين، الذي يضع العقبات أمام حكومة كييف في مساعيها للحصول على عضوية حلف شمال الأطلسي، ويدعم القوى السياسية الأوكرانية التي تعارض هذا التوجه.

وجاءت القمة الروسية الأميركية لتفتح آفاقا في التفاهم بين روسيا والولايات المتحدة، وتحتاج واشنطن لتقديم تنازل مقابل الحصول على طريق إمداد المؤن والذخائر لقواتها المرابطة في أفغانستان، ونشر درعها الصاروخية دون مواجهة عقبات أو صدامات دولية أو داخلية في دول شرق أوروبا.

وفي حساب الأولويات سنجد أن هذه الملفات تتصدر أولويات السياسة الأميركية، وتتراجع ملفات الانتشار في القوقاز للدرجة الثانية وربما الثالثة، باعتبار أن إدارة أوباما قد أسست سياساتها على برنامج إنقاذ البلاد من الأزمة المالية، ولا مجال للتضحية بآية مساعدات، أو أية أسواق محتملة مثل السوق الروسي الذي يمكن غزوه بالأساليب السلمية.

هذه التطورات تعنى أن فيكتور يوشينكو لا يمكن أن يكون رجل المرحلة الجديدة في العلاقات الدولية، والمطلوب اليوم رئيس أوكراني يتمتع بعلاقات جيدة مع كافة الأطراف الدولية، وقادر على إدارة علاقات أوكرانيا مع هذه الأطراف دون الصدام مع أي منها، ولعل هذه السمات نلحظها في شخصية رئيسة الحكومة يوليا تيموشينكو، التي تحظى بمكانة ليس فقط لدى الغرب، وإنما أيضا لدى القيادة الروسية.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني

vladi1949@mail.ru