قد لا يختلف أحد هنا في البحرين في أن النائب السلفي المخضرم عادل المعاودة أحد أكثر البرلمانيين البحرينيين حضورا من الناحية الاجتماعية والسياسية. ورغم سلفيته السياسية، إلا أنه في اعتقادي أكثر ساسة هذا البرلمان تقاطعا وقدرة على التواصل مع المختلف سياسيا واجتماعيا ومذهبيا.
وسلفيته الدينية لم تمنعه في بعض المواقع واللحظات من التحالف مع كتلة الوفاق الشيعية في البرلمان البحريني. بل إنه قد وجد في البرلمان السابق 2002 ـ 2006 إمكانية أكبر في التواصل مع كتلة اليسار منها في التواصل والتفاعل مع كتلة الإخوان السنية.
وهو رغم أنه من أطلق على دخول السلفية للبرلمان «مفسدة صغرى لدرء مفسدة كبرى»، إلا أن الوجود السلفي في البرلمان قد حقق لهم حضورا، ولربما صعودا سياسيا، وفتح لهم أبواب وقنوات تواصل مع رجالات الحكم ومع القوى السياسية الأخرى التي لم تكن تمتلك الحركة السلفية في السابق أي تواصل معها.
وفي مقابلته الأخيرة في جريدة «الأيام» البحرينية بتاريخ 11 يونيو 2009، أشار النائب وزعيم السلفية البحرينية في توقعاته الانتخابية إلى أنه «يتوقع استمرار (حضور) التيار الإسلامي في السيطرة على أغلب مقاعد المجلس، رغم كل ما يقال عن احتمال تكرار التجربة الكويتية». وقد برر توقعه هذا انطلاقا من فكرة أن «الشارع البحريني الحقيقي هو شارع ملتزم، ولن يقبل التنازل عن مبادئه، وثانيا للاختلاف الكبير في الأسلوب والطرح بين المجلسين».
ومع قناعتنا أن توقعات النائب الفاضل لا تدخل ضمن عملية التنجيم، وإنما هي في إطار من التوقع الانطباعي عن حدث مستقبلي سيقع بعد عام ونيف، وهو بالتالي قد لا يكون ضمن ظروف ومعطيات اللحظة ذاتها حاملا ما توقع به النائب، بل إن اللحظة وتفاعلاتها قد تأتي بنتائج معاكسة تماما لتوقعاته.
ألم تأت الانتخابات الكويتية بعد عام من الأولى بنتائج جديدة أخذت كل القوى السياسية على حين غرة، ولم تكن متسقة مع كل التوقعات الانطباعية والتنجيمية، بل إنها قد خالفت في ذلك حتى التوقعات «العلمية».
فتوجهات الناخب، أي ناخب، التصويتية قد تتأثر في حينها بالحالة السياسية العامة وعلاقة المجتمع بالدولة، أو لنقل بالظروف الاقتصادية والاجتماعية ولربما الحالة الدينية التي تتم عملية الانتخابات في إطارها. وإذا ما كان الناخب قد قدر له أن يختبر صلاحية أو عدم صلاحية النائب خلال الأربع أو الثماني سنوات الماضية، فإن موقفه هذا كما هو في كل المجتمعات الشرقية، قد لا يعلن عنه إلا في اللحظة التي يرمي فيها ببطاقة التصويت في صندوق الاقتراع.
وطبيعة الناخب في هذه المجتمعات، وتحديدا في المناطق الحضرية المختلطة، أنه قد يبدي موقفا معلنا مع هذا المرشح أو ذاك، إلا أن لحظة حسم موقفه قد لا تتشكل إلا عندما يمسك ببطاقة التصويت، وهي لحظة يستحضر فيها تقييمه الشخصي لأداء النائب ومواقفه وعلاقته بدائرته الانتخابية وأفرادها طيلة السنوات السابقة.
وهي خبرة إذا ما تمت قد لا ترفع كثيرا من حظوظ النواب بكتلهم المختلفة. وهي، أي هذه الخبرة، إذا ما حسبت بحساب دقيق فإنها قد تُخرج جل من احتل مقاعد نيابية خارج حلبة البرلمان.
وتبقى مع ذلك حقيقة أن أجواء اللحظات الأخيرة من العملية الانتخابية، وما قد يصاحبها من عمليات شد وشحن وتوظيفات سياسية لرموز وقصص وروايات ومعتقدات وخلافات دينية، قد تكون مؤثرة على الكتلة المترددة من المُنَتخِبين. وحتى في الانتخابات البرلمانية السابقة فإن أحد أفراد الحركة الإسلامية قد خرج مندحرا منها، ومن جاء بعده لم يكن ممثلا في هذا أو ذاك «للحركة الإسلامية». وكاد اثنان آخران أن يخرجا من الحلبة، لولا المدد والتوظيفات السياسية وخطأ لغة الخطاب الموظف من منافسيهما.
ثم إن القول «إن الشارع البحريني الحقيقي هو شارع ملتزم ولن يقبل التنازل عن مبادئه»، هو قول غير صائب. فهذا القول يعني أن هناك شارعا حقيقا وآخر مزيفا، وأن هناك شارعا ملتزما ولن يقبل التنازل عن مبادئه مقابل آخر قابل بنقيض كل ذلك. ثم إن القول يحمل في طياته إشارة قد تعني لقارئه أن الشارع الكويتي ونتيجة لاتجاهاته التصويتية في الانتخابات الأخيرة وإسقاطه لرموز الحركة الإسلاموية بضفافها المختلفة، قد أصبح «غير ملتزم وقَبِل التنازل عن مبادئه».
وأعتقد أن العملية الانتخابية هي ممارسة يجب أن تكون حرة وإلا تم الطعن فيها، وهي عملية خاصة بالفرد ذاته وليست عملا جماعيا وإن وظفته الجماعة لأهدافها المذهبية أو القبلية، وأن محاولة تجييرها باسم الدين أو الوطنية من القوى السياسية، لا يعدو أن يكون جزءا من التوظيفات السياسية للعملية الانتخابية من قبل القوى السياسية المختلفة .
وإن حملت في ذلك يافطات دينية. وتبقى المعضلة في ذلك هي أن القوى المعارضة للدولة ترى في أي تصويت لغيرها انحيازا غير وطني، وأن القوى الإسلاموية ترى في المقابل أن العملية التصويتية يحب أن تتجه برمتها لصالح ما أسماه البعض «القائمة الإيمانية والأحزاب الإسلاموية»، وإلا فإن الشارع في هذا قد أصبح غير ملتزم أو مطُعون في التزامه.
إن المجتمع البحريني، كما المجتمع الكويتي، مجتمع مسلم محافظ، لا يمكن نزع هذه الصفة المتمفصلة في بنيته الاجتماعية بناء على نتائج انتخابية. وإن ما يحدد موقفه من النائب أو إعادة انتخابه، ليس هو علو أو انخفاض درجة التدين كما تحاول قوى الإسلام السياسي توظيفها.
وإنما ما يحدد كل ذلك هو قدرة هذا النائب أو القوى على تمثيل المجتمع، وبالتالي الناس أحسن تمثيل. وإن الخطأ الكبير الذي ارتكبته هذه القوى هو أن دخولها المجلس قد جير منها أو من بعضها لصالح أهداف ومطامح شخصية أو تنظيمية خاصة بها كجماعة سياسية، ولم تأت مصالح الناس والمجتمع عند بعضها أو جلها إلا في الدرجات التالية من عملهم البرلماني.
إن من حق الناس أن يأتوا بمن يمثلهم أحسن تمثيل إذا ما رأوا في من جيء بهم أنهم قد خانوا أمانة التمثيل. ومن حق البحرينيين كما فعل الكويتيون، أن يأتوا بممثلين من غير الحركات الإسلاموية وإن كانوا من المسلمين المستقلين، أو يأتوا بما اسماه النائب الفاضل «بالعلمانيين» إذا ما وجدوا أن هؤلاء أقدر على تمثيل مصالحهم ممن قد جاءوا بهم في مجلس سابق. فما يحدد من يصل للمجلس هو رأي الناخب في لحظته المحددة، مع افتراض ثبات المتغيرات الأخرى.
كاتب بحريني