تستضيف مصر العربية للمرة الثانية، قمة حركة عدم الانحياز في دورتها الخامسة عشرة، بعد أن استضافت العاصمة المصرية «القاهرة» عام 64 قمة الحركة في دورتها الثانية، بعد إعلان ميلادها في قمتها الأولى في العاصمة اليوغسلافية بلغراد، وحينما يتوقف قطار الحركة الدولية الكبرى في مدينة «شرم الشيخ» قادما من العاصمة الكوبية «هافانا» في طريقه إلى العاصمة الإيرانية «طهران»، تكون الحركة قد دخلت في العام الثامن والأربعين من عمرها.

وعلى مدى ما يقرب من نصف قرن، يواصل قطار عدم الانحياز مسيرته المتعددة المحطات في ظل العديد من المتغيرات العالمية، منذ بداية فكرتها في مؤتمر التضامن الأفريقي الآسيوي في مدينة «باندونغ» الإندونيسية عام 55، ومع تبلور حركتها بقيادة آباء الحركة المؤسسين العربي الأفريقي جمال عبد الناصر، والهندي الآسيوي جواهر لال نهرو، واليوغسلافي الأوروبي جوزيف بروز تيتو، في أول مؤتمر لها في «بلغراد» عام 61 ومع استمرار هذه الحركة الإيجابية إلى اليوم.

وسواء في الظروف التي دفعت العالم النامي حديث الاستقلال إلى اعتناق فلسفة حركة الحياد الإيجابي وسياسة عدم الانحياز، والتي فرضتها حالة الاستقطاب الحاد في ظروف الحرب الباردة بين الكتلتين الكبريين المتصارعتين في العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى ميلاد الحركة مطلع الستينات.

. أو في ظروف الوفاق بين قطبي قيادتي الكتلتين، أو في ظروف انتهاء عصر الثنائية الدولية الأميركي السوفييتي، وبروز القطب الأميركي الواحد منفردا بتقرير شؤون العالم برؤية أحادية، وفق أجندة إمبراطورية للهيمنة العالم بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وغياب حلف وارسو، مع بقاء حلف الأطلسي بقيادته الأميركية، بل وتوسعه شرقا وجنوبا، ومع اعتماد سياسته الجديدة الحربية الهجومية لا الدفاعية، وخارج أوروبا وليس داخل حدودها!

أو في الظروف العالمية الحالية الجديدة التي فشلت فيها السياسة العسكرية الأطلسية بقيادتها الأميركية في فرض هيمنتها الكاملة على العالم تحت شعارات محاربة الإرهاب والتصدي لأسلحة الدمار الشامل، ونشر الديمقراطية وحقوق الإنسان بالقوة وبما أسموه «محور الخير ومحور الشر»، مع غرق جيوشها في مستنقعات الحروب العدوانية الفاشلة، خصوصا في أفغانستان والعراق من ناحية..

ومن ناحية ثانية، مع اتجاه العالم بفعل متغيراته وأزماته الكبرى إلى بداية نهاية عصر القطب الأميركي الواحد، وبداية عصر جديد يتطلب نظاما عالميا جديدا لا يقوم على الثنائية الدولية بين الشرق والغرب، ولا على القوة الأحادية المهيمنة، وإنما على أساس تعدد الأقطاب، نظام يقوم على الشراكة العالمية بين الجنوب والشمال من أجل التنمية.

وعلى اعتماد الديمقراطية العالمية في المنظمات الأممية للعالم الجديد، خصوصا بفعل الاتحادات القارية الجديدة كالاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، والتكتلات الإقليمية الجديدة كتجمع الآسيان ومجموعة شنغهاي، والمجموعة اللاتينية التي غيرت بالفعل من الخريطة العالمية ومن معادلات القوى الاقتصادية والعسكرية فيه.

ومع بروز القوى الصاعدة الجديدة في العالم كالصين وروسيا واليابان والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، والقوى الناشئة الجديدة، كمصر وتركيا وإيران وباكستان وإندونيسيا وفنزويلا ونيجيريا.

ولولا أننا كعالم نامٍ، والعرب جزء أساسي فيه، ما زلنا بحاجة لدور هذه الحركة لضبط توازن العالم، ولولا أن العالم ما زال بحاجة إلى دور حركة عدم الانحياز، ما كان لمصر العربية أن تستقبل اليوم قمتها الخامسة عشرة في العام 2009، أكبر عددا بعضوية 118 دولة، رغم المتغيرات السياسية والاقتصادية العالمية، والأجواء المناخية المضطربة والتضاريس الأرضية الصعبة.

mamdoh77t@hotmail.com