في الثاني والعشرين من شهر يونيو أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما عن برنامج جديد أطلق عليه اسم «نخدم معا»، دعا فيه الأميركيين إلى الخدمة العامة والتطوعية في مجتمعاتهم المحلية بمساعدة البيت الأبيض ودعمه، لمواجهة التحديات المختلفة التي تواجهها بلاده. وقد ذكر البيت الأبيض أن ذلك البرنامج سوف يستمر طوال فترة الصيف، وحتى يوم الحادي عشر من سبتمبر الذي سيلقي فيه الرئيس الأميركي خطابا يحتفي فيه بالبرنامج وإنجازاته ويعلن اليوم نفسه، أي يوم 11 سبتمبر، عيدا وطنيا »للخدمة العامة وتذكر الشهداء«.

ولا يمكن في الواقع التقليل من شأن ما فعله أوباما بإطلاق هذا البرنامج، فهو عمل شجاع يستحق التحية، لأنه في الواقع يعيد تعريف يوم 11 سبتمبر في العقل الجمعي الأميركي ويسعى لتفكيك العلاقة بين الإرهاب والإسلام، وهو في ذلك يمثل خطوة فعلية بالغة الذكاء نحو تنفيذ الرؤية التي عبر عنها خطاب القاهرة، في ما يتعلق بتفكيك إرث سنوات بوش الكارثية في التعامل مع العرب والمسلمين.

ومن أجل شرح ذلك لابد من الإشارة إلى أن ما حدث في عهد بوش لم يكن مجرد تحول في السياسة الخارجية الأميركية. فما حدث كان في الواقع انقلابا في تلك السياسة، طال الأفكار ولغة الخطاب مثلما طال الأولويات والأجندة. ومن بين أهم ما نجح فيه المحافظون الجدد في عهد بوش، كان في الواقع تغيير منطق الخطاب ومفرداته بشأن العالم العربي والإسلامي.

فقد تبنت إدارة بوش خطابا صنعه عتاة الصهاينة، يقوم على فكرة محددة مؤداها أن المشكلة في هذه المنطقة من العالم ليست الاحتلال ولا نهب الأرض وتشريد أهلها، وإنما هي مشكلة تكمن في مجتمعاتنا نفسها، فهي مجتمعات تعانى من القهر والعوز والتخلف، الأمر الذي جعلها مصدرا لتفريخ الإرهاب والحقد على المجتمعات المتقدمة ومنها بالضرورة الولايات المتحدة. ومن هنا فإن الخطاب الأميركي الموجه للعالم العربي والإسلامي بعد أحداث 11 سبتمبر، كان لسان حاله يقول «أنتم المشكلة.. ابحثوا داخل مجتمعاتكم عن أسباب توتر علاقتكم بنا فهي نفسها أسباب فشلكم».

فالولايات المتحدة بريئة تماما وليست مسؤولة بحال عن أسباب التوتر، فهي كلها أسباب يسأل عنها العرب والمسلمون وتكمن في مجتمعاتهم التي هي المسؤولة عن تفريخ التطرف. هذا فضلا عن أن كراهية العرب والمسلمين لأميركا، سببها ببساطة أنهم يكرهون قيم الحرية والمساواة التي هي قيم «أميركية»!

خطورة هذا النوع من الخطاب أنه كان يرسب لدى العقل الجمعي الأميركي صورة عن هذه المنطقة، تعطى لصانع القرار الأميركي شيكا على بياض للعدوان دون حاجة لإقناع الرأي العام. ففي بلد مثل الولايات المتحدة الأميركية لا يعرف فيه المواطن العادي شيئا عما يدور خارج مدينته الصغيرة ناهيك عما يدور في العالم، يصبح تطويع الرأي العام «غير المهتم» سهلا عبر إنتاج خطاب كهذا لتبرير استخدام القوة الغاشمة.

ومن هنا تأتى أهمية الرؤية المختلفة التي عبر عنها أوباما. فالرجل لم يقل أن الغرب بريء وأن المشكلة في العالم الإسلامي الذي أفرزت مشكلاته تطرفا طال أميركا «البريئة» كما كان يقال. فقد قدم أسبابا بعينها للتوتر، كان من بينها الاستعمار وحروب الوكالة والاحتلال. ثم أضاف في موضع آخر من خطابه بلغة صريحة، أن «الإسلام ليس جزءا من المشكلة وإنما هو جزء مهم من صنع السلام». وهو تعبير يناقض بوضوح أفكار عتاة المحافظين الجدد الذين طالما استخدموا تعبيرات تضع اللوم على الإسلام نفسه.

وهذا النوع من المفردات والمضمون إنما يفكك تلك الصور والدلالات التي كانت عصابة بوش قد نجحت في تكريسها في العقل الجمعي الأميركي مستغلة أحداث سبتمبر. واستخدام الرئيس الأميركي بنفسه لمثل تلك اللغة المختلفة، من شأنه أن يهمش لغة المحافظين الجدد ويؤدى لحصارها في دوائرهم ودوائر اليمين، بعد أن كانت هي اللغة السائدة.

ومن هنا أيضا تأتي أهمية العبارة التي ذكرها أوباما بشأن الصور السلبية للإسلام والمسلمين. فقد قال «وأنا أعتبر أن جزءا من مسؤوليتي كرئيس للولايات المتحدة الأميركية، أن أحارب الصور النمطية السلبية للإسلام أينما ظهرت». وفي واقع الأمر فإن أهم ما في تلك العبارة هو السياق الذي قيلت فيه.

صحيح أن أوباما تحدث عن الإسلام في أميركا وإسهام المسلمين الأميركيين في رفعة شأن بلادهم، إلا أن العبارة السابقة لم تأت في إطار الحديث عنهم. أي أنه لم يقل ما قال في إطار الدفاع عن إحدى القوى السياسية أو الجماعات الإثنية الأميركية التي هو مكلف دستوريا بحمايتها والذود عنها، وإنما قال ذلك في سياق الحديث عن الإسلام الذي عرفه في «قارات ثلاث قبل أن أحضر إلى المنطقة التي كانت مهدا له».

بعبارة أخرى، فإن أوباما كان يقول صراحة أنه ليس فقط مسؤولا عن مكافحة الصورة النمطية السلبية للمسلمين الأميركيين، وإنما للمسلمين في كل مكان!

ويأتي برنامج الخدمة العامة الذي أعلن عنه البيت الأبيض مرتبطا بتلك الرؤية التي عبر عنها خطاب أوباما. فالبرنامج خطوة عملية ذكية تسعى لفك الارتباط بين الإسلام والإرهاب.

فبدلا من أن يظل 11 سبتمبر يوما يتذكر فيه الأميركيون «اعتداء المسلمين» عليهم، يتحول إلى يوم لخدمة أميركا من كل أبنائها ولتذكر شهدائها. ولابد من الاعتراف بالجرأة والشجاعة التي ينطوي عليها قرار أوباما بالإقدام على خطوة كهذه، في مجتمع لا يزال ينضح فيه خطاب خصومه بالعنصرية تجاهنا، بل تجاهه هو شخصيا.

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com