على الرغم من رفض المسؤولين الإسرائيليين دعوة خافيير سولانا منسق السياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي الأمم المتحدة للاعتراف بالدولة الفلسطينية إذا فشل الفلسطينيون والإسرائيليون في التوصل لاتفاقية سلام، فإن الدعوة في حد ذاتها تبقى منطقية لأن تأخذ الأمم المتحدة كممثلة للمجتمع الدولي بأكمله على عاتقها مسؤولياتها الأخلاقية وتفعِّل أدوارها وقراراتها التي من أجلها أنشئت لإنصاف الشعوب المظلومة والمقهورة.
وليس العكس، فكما أن المنظمة الدولية ممثلة بمجلس أمنها قامت باقتطاع جزء من أرض فلسطين وإعلانه دولة للإسرائيليين، فإن من المنطق أيضًا ألا تفعِّل القرارات الخاصة بإسرائيل وتتغاضى عن القرارات الخاصة بالشأن الفلسطيني، بل على المنظمة أن تعمل على وضع حد لظلم امتد لعشرات السنين لا يزال الشعب الفلسطيني يتجرع ويلاته، بمساندته في إعلان دولته المستقلة وعاصمتها القدس وفق حدود عام 1967 التي اعترف بها العالم أجمع والتي تشمل الضفة الغربية والقدس والبحر الميت ونهر الأردن والمنطقة العازلة بين فلسطين وإسرائيل.
وبعيدًا عن أن الاقتراح أو الدعوة جاءت من دبلوماسي في نهاية فترة خدمته ـ كما يدعي وزير خارجية الكيان الإسرائيلي أفيجدور ليبرمان ـ فإن من الأهمية بمكان أن يتم تحديد مهلة تبدأ بزمن معلوم وتنتهي بزمن معلوم، وإذا لم يتم تحقيق تقدم خلالها فيتعين على مجلس الأمن الدولي أن يتبنى حل الدولتين متضمنًا حدود الدولة الفلسطينية ومسألة اللاجئين والقدس والترتيبات الأمنية، والاعتراف بشكل أحادي بدولة فلسطينية كعضو كامل العضوية في الأمم المتحدة وإعلان جدول لتطبيق هذا القرار ..
ذلك أن الشريك الإسرائيلي في مفاوضات السلام لم يعد موجودًا اليوم، لأنه ليس واردًا في الأجندة السياسية الإسرائيلية وجود دولة فلسطينية أو حتى ما يشير إليها، وإنما الساسة الإسرائيليون مشغولون اليوم بما يسمى (يهودية إسرائيل) الكبرى، وقد أكد الإسرائيليون على هذا الأمر في الانتخابات التشريعية التي أفرزت الحكومة اليمينية المتطرفة الحالية، مشكِّلين معًا صخرة صماء في وجه الشرعية الدولية لتحطيم كل من يقف أمامها مطالبًا بما تستوجبه هذه الشرعية، وتهشيم كل ما يدعوهم من قرارات دولية إلى الالتزام بمبادئ الشرعية الدولية، ويساندهم في ذلك جماعات الضغط في كل من الولايات المتحدة وأوروبا، الأمر الذي أعطاهم ثقة كبرى لأن ينقلبوا على كل الحقائق الظاهرة ويدوسوا على الشرعية الدولية.
فهم (أي الإسرائيليون) ماضون في مشروع دولتهم اليهودية، مسخرين كل جهدهم الآن بتهيئة الأوضاع لإعلانها من طرف واحد رغم الرفض العربي للاعتراف بها، حيث العمل جارٍ بطمس كل ما يحمل الهوية العربية داخل ما يعرف بالخط الأخضر أو أراضي 48، فقد بدأوا بتهويد أسماء البلدات والقرى العربية كمقدمة للعمل التالي وهو تهجير سكانها العرب منها، بينما الاستيطان من جانبه آخذ بتوسعة الرقعة الجغرافية للدولة اليهودية الموعودة، ومن المؤكد أن القوى الكبرى الحليفة للكيان الإسرائيلي حين تحين لحظة الإعلان لن تتحرج عن الاعتراف بها. لكن في المقابل ماذا أعد الفلسطينيون ومعهم العرب إزاء ذلك؟
إن المشاريع الإسرائيلية والتعنت الإسرائيلي الرافض لوقف الاستيطان وعودة اللاجئين والاعتراف بالقدس الشرقية كعاصمة للدولة الفلسطينية، يجب أن يدفعهم كل ذلك باتخاذ خطوة موازية بإعلان الدولة الفلسطينية من جانب واحد، فهناك فرق بين طرف يعمل ضد الشرعية الدولية وينقلب عليها.
وبين من يعمل في إطار الشرعية الدولية التي تكفل له الحق وتفعيل قراراتها المعطلة، وعلى الأمم المتحدة واللجنة الرباعية أن تأخذ بمسؤولياتها الأخلاقية إن كانت صادقة في توجهاتها نحو السلام وتحرك ملف الصراع العربي ـ الإسرائيلي عبر مؤسساته الشرعية، فيكفي خداعًا وغشًّا ودعايات إعلامية كاذبة يطلقها بين الحين والآخر القادة الإسرائيليون عبر إعلامهم بعزمهم إطلاق مفاوضات يزيفون بها أدمغة الرأي العام العالمي وإيهامه.
