ليس مستغربا أبداً أن يأخذ البعد السوري في لعبة تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة، كل هذا الضجيج المدوي على الساحة السياسية المحلية، خصوصا بعد التطورات المهمة التي شهدها لبنان، بدءا بالانتخابات البرلمانية وانتهاء بتكليف النائب سعد الحريري بمهمة تشكيل حكومة الوئام الوطني المفترضة.

فالمرحلة العصيبة التي شابها التوتر بشتى أشكاله، وخاضها الوطن بإرادة زعمائه الذين كانوا متقاتلين في الأمس وأصبحوا اليوم بقدرة قادر متصالحين أحبّاء، لم تكن بعيدة عن التجاذبات الإقليمية المختلفة، وخصوصا ما هو سوري الملمس والهوى.

ذلك أن سوريا كانت حاضرة في اللعبة اللبنانية مباشرة أو «بالواسطة»، من خلال حلفائها الذين كانوا يترجمون تطلعاتها ويسعون لتنفيذ أهدافها المختلفة، وهي بدون أدنى شك معنية بما يجري في لبنان حاليا، بغض النظر عن رضاها أم عدم رضاها ممّا آلت إليه الأوضاع على الصعيد الميداني، سياسيا وبرلمانيا.

هي مؤمنة دائما وأبدا، بأن لبنان هو خاصرة سوريا الحساسة، فإما أن تكون معبرا للطمأنينة أو مصدرا للتوتر والقلق. ومع اختلاف التوجه الذي قد تتبناه القيادة حيال هذا الأمر، وفق ما يمليه منطق المرحلة أو الحسابات الاستراتيجية المختلفة، فإن الواقع المشار إليه يبقى منطلقا للتفسيرات المختلفة حول ما يمكن أن «تتورط» به الرؤية السورية حيال العلاقة مع لبنان.

في خضم هذه اللوحة السياسية الواضحة لكن المعقدة الأبعاد، كثر الحديث عن الأطروحات المختلفة التي يجري تداولها وراء كواليس الاتصالات الإقليمية والمحلية بخصوص قمم المصالحة التي يجري التحضير لها، والتي من المفترض أن تجمع أركان القيادة السورية بنظرائهم اللبنانيين وفي مقدّمتهم الشيخ سعد الحريري.

وكما كان متوقعا، فإن هذه الأفكار أثارت زوبعة عاصفة من ردود الأفعال الناقدة داخل المعسكر الذي يطالب بإقامة علاقة الندّية مع سوريا، باعتبار أن أركان هذا المعسكر لا يزالون مؤمنين بشدة أن سوريا لعبت ولا تزال، دورا سلبيا في تأجيج حالة الاضطراب التي شهدها لبنان خلال الأربعة أعوام الماضية.

هذا المعسكر يعبّر بطبيعة الحال عن شريحة كبيرة من اللبنانيين، وهو ما أثبتته الانتخابات البرلمانية الأخيرة، ولا يمكن لأي طرف أن يصر على التعامل معها بمراهقة سياسية أو عصبية متوترة غير مدروسة، أو أن يصر من جهة أخرى على وسم أقطابها بأوصاف بالية سئم منها الجميع.

مقابل ذلك، وهذا هو الأهم حسب رأيي في ما يخص التطورات السياسية اللبنانية، كان من الممكن رصد حركة لافتة بدأت تتضح معالمها شيئا فشيئا داخل المعسكر نفسه. فالهدير الخافت الذي بات يميّز أداء بعض أقطابه والذين بدؤوا يرون الأمور من غير المنظار التقليدي لحلفائهم، يشير في الحد الأدنى إلى اقتراب حدوث اختراق ما على صعيد التحالفات السياسية في لبنان.

هذا الأمر ليس مبالغا به بأي شكل من الأشكال، حيث إن الوضع السياسي في لبنان أو أي بلد ديمقراطي آخر، يبقى مفتوحا على كافة الاحتمالات، وهو ما بيّنته بشكل واضح تجارب كثيرة حول العالم. وقد يقول قائل بأن الوضع في لبنان يختلف كثيرا عن دول العالم الأخرى، لكن تجارب المراحل السابقة تبدو جلية في إصرارها على أن العكس هو الصحيح، وأن السياسي اللبناني أيّا كان انتماؤه سيكون قادرا أو مستعدا ذات يوم لقلب الصفحة السابقة، دون أن يعني ذلك بالطبع تنكّره للمبادئ التي طالما آمن بها ودافع عنها.

في السياسة مطلوب الوعي والانتماء الوطني الشامل، إلى جانب أمور أخرى كثيرة. وإذا كان من واجب أي زعيم أن يثبت قدرته على تمثيل جميع أبناء وطنه بكل صدق وإخلاص، فإنه يكون مطالبا قبل غيره برؤية الأمور من منظار أشمل وأوسع.

ويكون الأمر مضاعفا في ما يتعلق بالقضايا والعلاقات الدولية التي تعتبر مصيرية حتما. هذا لا يعني أبدا دعوته للتوقف عن الدفاع عن القضايا المصيرية والوجودية، وتحديدا ما يتعلّق بالسيادة والحرية والاستقلال، فهذه شعارات آمن بها الشعب اللبناني وقدّم من أجلها الكثير، وستبقى من الأولويات التي من خلالها سيُدعى أي زعيم لإثبات انتمائه الوطني الصادق.

الجميع في لبنان، إذاً، يقفون اليوم أمام منعطف طرق حساس وحاسم لإثبات جدّيتهم في التعامل مع مصير بلدهم. والأمر لا يتعلق بسعد الحريري وحده، بل بكل زعيم سياسي يمتلك القدرة على التأثير في مجرى الأمور، إيجابا أو سلبا. فما هو في الرهان حاليا ليس أقل من العمل بكل إخلاص لإطلاق عجلة البناء المؤسساتي الحقيقي، لكي يتمكن الشعب من الانصراف لاحقا إلى القضايا التي تهمه وتطاله في حياته اليومية.

أما في ما يتعلق بمعالجة العلاقات مع العمق الإقليمي، وأقربه بالطبع السوري «الشقيق»، فإن المطلوب بإلحاح في الوقت الحاضر هو وضع الأمور في نصابها الصحيح، دون أي تزلف أو تمثيل. فلا مكان بعد اليوم للدبلوماسية العاطفية الفاشلة، ولا للانتماء الإيديولوجي الأعمى، لأن التحديات الماثلة أمام البلدين هي أكبر بكثير مما قد يتصوره البعض.

لا ضرر من الاستعانة بالدبلوماسية البراغماتية، وإن كانت نتاجا غربيا قد لا يستسيغه البعض، لأن النتائج الملموسة بسرعة قد تكون مفيدة في هذا الظرف، أكثر من الخبز والملح الذي قد يتذوقه الرسميون في زياراتهم الروتينية. ولعل الخطوات التي قام بها البلدان خلال الأشهر القليلة الماضية، كانت ربما أصدق شيء في تاريخ العلاقات المشتركة.

لا شك أن زعيم تيار المستقبل يقف حاليا أمام قرار حساس وعاطفي، يستدعي منه التمتع بنفس الجرأة والحكمة اللتين كانتا مطلوبتين منه أثناء إصراره على قيام المحكمة الدولية لكشف قتلة والده المرحوم رفيق الحريري.

وفي جميع الأحوال، لا يمكننا إلا أن نؤكد على أن توثيق العلاقات السليمة مع جار شقيق، يوازي كافة الالتزامات المبدئية الأخرى.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz