ما إن أُعلنت نتائج الانتخابات الإيرانية وفوز مجموعة الرئيس أحمدي نجاد، حتى أعلنت القوى الغربية السياسية أن الانتخابات لم تكن نزيهة. الفئات الإيرانية الخاسرة في الانتخابات استفادت من هذا التشكيك المتوقع المتربص، وبدأت تطالب بإعادة فرز الأصوات في البداية.
ثم ذهبت بعيداً لتطالب بإعادة إجراء الانتخابات من جديد. ذلك ما يعقّد الأمور ويضع الدولة الإيرانية في حالة صراع شعبي داخلي مع النفس، مما يؤدي إلى ضرب وتقويض الجبهة الداخلية. هذه حالة من «شبه حرب أهلية» تساعد القوى الخارجية على تعزيز مواقفها المضادة علناً للسياسة الإيرانية الداخلية والخارجية.
معروف عن السياسات الغربية نقص المصداقية والتعقل والذهاب بعيداً في اتجاه الاهتمام بالمصالح، وعلى حساب الغير. منذ نجاح الثورة الإيرانية في التخلص من نظام الشاه الموالي للغرب، والقيادة الإيرانية في حالة تصادم متصاعد الوتيرة مع القوى الغربية.
هنالك تصادم من جهة تعارض المصالح واختلاف الأيديولوجيات والمشروعات الإيرانية الطموحة. ضمت المشروعات خاصة مجال الحصول على التقنية الحديثة، وبالذات في استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية. الملف النووي الإيراني بات الشغل الشاغل للسياسات الغربية عموماً والأميركية خصوصاً.
تؤيد إيران حركات التحرر والمقاومة في المنطقة والعالم. بالذات تلقى المقاومتان اللبنانية والفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي، دعماً معنوياً ومادياً وإعلامياً. ذلك ما يجعل إيران في مواجهة مباشرة مع القوى الغربية. هذه الأخيرة وقفت وتقف مع غطرسة الكيان الإسرائيلي وتلتزم الصمت إزاء جرائمه.
تعتبر إيران القضية الفلسطينية كإحدى القضايا الرئيسية والمحورية في السياسة الخارجية الإيرانية. الشعب الفلسطيني في نظر السياسة الإيرانية يواجه «محرقة صهيونية» متواصلة منذ ما يقارب القرن من الزمان. هذا مقارنة مع «المحرقة النازية» المزعومة والتي استمرت بضع سنين.
لا تزال القوى الغربية على حالها من التصور اتجاه الأمم والشعوب الأخرى. تصورٌ يعتمد على مناصرة فئات أقلية «منتقاة مختارة»، ضد أكثرية محرومة من جل حقوقها. في ذلك تدعم القوى الغربية مرشحي الانتخابات الإيرانية الخاسرين، حسين الموسوي ومهدي كرّوبي.
أعمال صبيانية وتصيد في المياه الإيرانية العكرة، تهدف إلى إحداث أكبر قدر ممكن من التصدع في الجسد الإيراني الواحد. تذهب السياسات الغربية إلى محاولة الاستفادة من وقوع، وربما تدبير، أعمال فردية إرهابية على شكل تفجيرات وسيارات مفخخة؛ ذلك أسوةً بما تقوم به في العراق المحتل.
لو كان هنالك الحد الأدنى من التعقل السياسي الغربي اتجاه الآخرين، وخاصة الخصوم، لما كانت هنالك منذ البدء قضية اتجاه الملف النووي الإيراني. هذا الأخير مدني سلمي وتشرف عليه لجان للتحقّق منبثقة عن وكالة الطاقة الذرية الدولية.
الخبراء واللجان الدولية تؤكد بين الحين والآخر خلو البرنامج النووي الإيراني من أية نوايا عسكرية. لكن السياسات الغربية تظل في حالة إنذار دائم اتجاه إيران النووية ،لمآرب لم تعد تخفى على أحد. تتلخص تلك المآرب في الإبقاء على إيران في طور المتخلف تقنياً ونووياً. ذلك إضافة إلى تبديد القلق والوسوسة الإسرائيلية المفتعلة، حول إمكانية امتلاك إيران لرؤوس حربية نووية.
الانتخابات الإيرانية كانت ناجحة تنظيميا ولم يثبت ما ينفي نزاهتها. هنالك نسبة عالية من المقترعين، والانتخابات جرت في ظل ظروف أمنية وإدارية مستقرة تتمتع بمصداقية عالية. هنالك مندوبون من الجهات المرشحة في الانتخابات، يشاركون في الإشراف على كافة عمليات الاقتراع وفرز الأصوات من الصناديق. هذا بالإضافة إلى الحضور الدولي المتمثل بمراقبين دوليين محايدين قادرين على الوصول إلى أي موقع انتخابي، أو فرز للأصوات في الوقت الذي يرونه مناسباً.
ماذا بقي من فجوات للعملية الانتخابية الإيرانية حتى يشكك الغرب فيها وينفذ منها؟! ذلك كما حدث سابقاً في الانتخابات اللبنانية والفلسطينية، وأخرى عبر العالم. في هذه وتلك ما إن فاز أو يفوز طرف مناوئ للسياسات الغربية فيها حتى يعلن الغرب التشكيك فيها وبطلانها.
مرة أخرى يؤدي، بل يهدف التشكيك الغربي في نتائج الانتخابات إلى إثارة القلاقل. قلاقل من شأنها أن تصعّد الموقف باتجاه الأسوأ. لا ضير لدى القوى الغربية لو أدت الأمور حتى إلى وقوع حمام دم تغرق فيه الجماعات والكتل والشعوب الإيرانية. السياسات الغربية تتميز باللامبالاة إزاء حقوق الآخرين وتطلعاتهم.
سياسات لا تبالي بوضع كتل بشرية ضخمة تحت أنواع وأشكال وألوان من الحصار الخانق والإذلال المتعمد. هذه لا تتمتع بالحد الأدنى من الأخلاق والنضج الفكري والإنساني والسياسي.
إذن فاستعداء إيران بتلك الطريقة لا يخدم السلم الداخلي الإيراني، ولا الإقليمي المحلي، وفي النهاية لا السلم الدولي. محلياً يؤدي التشكيك الغربي في نتائج الانتخابات، إلى إثارة الفتن والنزاعات الطائفية والعرقية والسياسية بين مختلف الفئات والتيارات والأحزاب الإيرانية. إقليمياً تستمر حالة التصعيد المتبادل بين إيران والقوى الموالية للغرب المتواجدة على الساحة الإقليمية؛ بالذات في منطقة الشرق الأوسط عموماً. دولياً تستمر حالة الاستقطاب وتكوين التكتلات والأحلاف المتصارعة، في حالة تصل أحياناً إلى درجة أشد نحساً من حالة الحرب الباردة سابقاً. إيران دولة مهمة إقليمياً وديمغرافياً، بالإضافة إلى اجتيازها مراحل مهمة في مجالات التقدم التقني، ويجب النظر إليها بتقدير كاف.
الشعوب والأمم عبر العالم تختلف اليوم عما مضى. ولى زمان الرضوخ للهيمنة والسيطرة الإمبريالية على كل مناحي الحياة والسياسة. في ذلك لن ينفع ضرب إيران عسكرياً ولن يفلح تشديد الحصار عليها. فشل الحصار في تحقيق أية أهداف، ولن يكون مصير ضربة عسكرية محتملة بأحسن حظاً.
يكون الأمر كذلك، حتى لو أدت الضربة العسكرية إلى تعطيل أو تدمير البرنامج النووي الإيراني. بات واجباً على القوى الغربية التفكير بتعقل، وفتح قنوات اتصال مباشر وفعال وإيجابي مع الجانب الإيراني.
جامعة الإمارات