في الوقت الذي أصبحت الصين تحتل مركز القوة الرابعة عالمياً على الصعيد الاقتصادي، والقوة الإقليمية العظمى في آسيا على الصعيدين السياسي والعسكري، الحريصة على الاستقرار الدولي الذي يسمح لها بمتابعة صعودها غير المرتد في هذا الطور من القرن الواحد والعشرين، جاءت الصدامات العرقية الأخيرة الأكثر دموية التي حصلت في أورمتشي عاصمة إقليم شينجيانغ، بين الإيغور المسلمين الذين اضطروا للدفاع عن أنفسهم، رداً على انتهاكات جماعات من عرقية الهان الصينية ضد ممتلكاتهم ومساجدهم، وبين قوات الشرطة الصينية، لتظهر الوجه الدموي والعنيف للصين.
وفيما أكدت زعيمة طائفة الإيغور الصينية ربيعة قدير، التي أمضت ست سنوات في السجون الصينية بتهمة التحريض على العنف قبل نفيها إلى الولايات المتحدة منذ العام 2005، أن الشرطة الصينية قتلت 400 من أبناء الطائفة المسلمة في المواجهات الأخيرة، تحدثت السلطات الصينية عن سقوط 156 قتيلا، واعتقال أكثر من 1400 شخص، حيث أرادت بيكين ربط الإيغوريين بالإرهاب لتبرير قمعها الدموي. وقد أجبرت الأحداث الدامية هذه الرئيس الصيني هو جينتاو على العودة إلى الصين وعدم المشاركة في قمة مجموعة الثماني.
ويتساءل المحللون الغربيون عن الأسباب الحقيقية التي قادت إلى هذا الصدام الدموي؟
1 ـ إن إقليم شينجيانغ، أو «تركستان الشرقية» حسب التسمية التي يطلقها الناشطون الإيغور وكذلك الأدبيات التركية على الإقليم المذكور، يمثل للسلطات المركزية في بيكين «الحدود الجديدة» التي ثبتوها منذ أن سيطرت الصين نهائيا على الإقليم في سنة 1876، وبدأت تمارس سياسة انصهار شاملة ضد الإيغوريين. وتعتبر منطقة الإيغور، منطقة متميزة بتاريخها وثقافتها عن باقي الإمبراطورية الصينية، إذ إن شعبها ينتمي إلى قومية الإيغور التي تعتبر الأسلاف القدامى للأتراك.
هذا التميز في التاريخ والثقافة للإيغوريين، ولروابطهم التاريخية والثقافية مع الأتراك، يحمل في سيرورته التاريخية الخلاف وعدم الثقة المغروسة منذ قرون بين الإيغوريين التركمنستانيين المسلمين وبين الصينيين من قومية «هان». وفي الواقع، فإن هذا الإقليم البعيد الواقع في الشمال الغربي للصين، لم تكن تربطه مع الإمبراطورية الصينية طيلة حقب تاريخية طويلة، سوى روابط مرحلية ورخوة.
فالإيغوريون شكلوا على مدى التاريخ دولة مستقلة قائمة بذاتها، إلى أن احتلتهم الصين في سنة 1760. غير أن التاريخ الرسمي للنظام الصيني يعتبر انتماء إقليم شينجيانغ إلى الصين واقعاً مكتسباً، إذ إن السيطرة النهائية على الإقليم وقعت في سنة 1884، في ظل حكم السلالة الإمبراطورية المانشو كينغ (16441911).
وعندما استلم الشيوعيون السلطة في بيكين، بقيادة الزعيم الراحل ماو تسي تونغ في سنة 1949، أصبحت الصين الماوية تسيطر على ما بات يعرف منذ العام 1955 ب«منطقة الحكم الذاتي لإقليم إيغور شينجيانغ».
2 ـ كانت العلاقات بين قومية الإيغور المسلمة السنية المتأثرة بالحركة الصوفية المنتشرة في آسيا الوسطى، وبين قومية الهان متوترة منذ عقود من الزمن. فالصينيون من قومية الهان، جاؤوا إلى إقليم شينجيانغ، واحتلوا الأراضي الخصبة ضمن سياسة تشجعها الحكومة المركزية في بيجين، بهدف تغيير الهوية الديمغرافية للإقليم، الذي يبلغ عدد سكانه من الإيغوريين 8 ملايين نسمة. وأصبح الصينيون الهان يشكلون الأغلبية من سكان المدن، ولا سيما في العاصمة أورمتشي، التي كانت مسرحا للصدامات العنيفة منذ 5 يوليو الجاري.
3 ـ لا تغيب عن بال الصين الأهداف الاستراتيجية من وراء السيطرة على إقليم شينجيانغ الغني جدا بالنفط، والذي يوفر ثلث الإنتاج الوطني من الغاز، بينما يحوي 40 في المئة من موارد البلاد من الفحم الحجري، إضافة إلى المواد الأولية الأخرى التي تحتاجها الثورة الصناعية الصينية.
لكن الإيغوريين، الذين يشكلون القومية الأولى في الإقليم، لم يستفيدوا شيئا من عوائد هذه الثروة، فضلا عن أن السلطة المركزية الصينية غير عادلة على الإطلاق في توزيع فوائد التنمية. يشهد على ذلك، المجال الزراعي، حيث يعمل أكثر من 2, 2 مليون صيني معظمهم من الهان في الأراضي الزراعية الخصبة المستصلحة من قبل الدولة في شينجيانغ، التي تبلغ مساحتها ثلاثة ملايين هكتار تستخدم معظمها لزراعة القطن، فيما يسيطر الإيغور على مليوني هكتار بحسب التقديرات.
وكنتيجة لهذا الوضع، أصبح الإيغوريون المسلمون يشعرون بالغبن التاريخي، لأن ثروة المنطقة الحقيقية جُيِرَت لمصلحة الذين أتوا لاحتلالها لاحقا.
كاتب تونسي