منذ مؤتمر باندونج في أندونيسيا سنة 1955 حيث بزغت فكرة عدم الانحياز واللحظة الراهنة، مرت أكثر من خمسة عقود تغير خلالها العالم كثيرا في البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومعروف أن الظروف التي أنشأت مجموعة عدم الانحياز ارتبطت بسياقات زمانية على رأسها مشهد العالم في تلك الفترة من منتصف القرن العشرين، حيث كانت تسيطر قوتان على العالم هما الاتحاد السوفييتي سابقا والولايات المتحدة، وكان الهاجس العسكري يسيطر على الشعوب بعد خروجها من الحرب العالمية الثانية، إضافة إلى ذلك كانت الكثير من الدول النامية قد خرجت للتو من قطار الاستعمار باحثة عن مصيرها الذاتي وبناء قوامها التنموي والاقتصادي.
التغير الذي طرأ على العالم ليس جوهريا بقدر ما هو مترتب عن آثار ما بعد الحرب الباردة من تحرك نحو بناء عالم أحادي في القيم والرؤى بفعل منظومات العولمة وأطروحات مفاهيمية كالاقتصاد الجديد والتجارة الحرة وقضايا المناخ وحقوق الإنسان والإرهاب وغيرها...
ليس ثمة تغيير جوهري لأن الإنسان يظل هو الإنسان بكافة ما يحمله من تكوين ذهني وشد وجذب ما بين العقلنة والروح الشريرة، ما بين الميول العاطفي والحكم العلمي المعقلن. لكن ثمة تغيير على انعكاسات كل تلك المفاهيم الجديدة التي بدأت نظريا ثم تحولت إلى تطبيقات، بحيث بات لها تجسد على الواقع في آثار يرى الخبراء والمراقبون أن جوانب كثيرة منها سلبية وتتطلب الانتباه وإلا ستؤدي في نهاية الأمر إلى مجموعة معقدة ومتشابكة من الأزمات العالمية، تكون جميعها خصما من مشروع التعايش الإنساني على كوكب الأرض.
وقد بات جليا كيف أن الأزمة الاقتصادية العالمية أعادت كشف الكثير من الأمور وجعلت العلماء والباحثون في مجالات إنسانية مختلفة، يعيدون التفكير في قضايا مركزية بنحو جديد، وهذه سمة التجارب الإنسانية التي دائما ما تتوقف بعد فترة لتكتشف أن المراجعة لابد منها والنقد لابد أن يمارس بهدف تجاوز العثرات إلى نجاحات جديدة تقوم على تلافي المشكلات المعاصرة استعداد لمشكلات جديدة تتولد عن التجارب الأكثر حداثة.
مؤتمر القمة الخامسة عشرة لمجموعة عدم الانحياز الذي يعقد في مصر، يحمل في جدول أعماله جانبا من هذه الصورة التي تشتغل على طوارئ العالم الجديد، وعلى رأسها بالطبع الأزمة المالية، وقضايا أخرى مثل المشروعات التقنية المشتركة بين الدول، ومشكلات البحث العلمي والتعليم العالي، هذا في إطار محور تنموي مستقبلي، وثمة محور حاضر في المشهد السياسي يتمركز حول بؤر الأحداث في فلسطين ودارفور والصومال وغيرها من القضايا التي تهم القارات الثلاث الأفريقية والآسيوية والأمريكية الجنوبية.
ما يلاحظ لكل حصيف أن كل هذا القضايا كثيرا ما تناقش وتدرس لكن ما ينقص الدراسة هو الانتقال بها إلى طور التعايش مع التجربة بالعمل على الحلول الحقيقية، وهنا سوف نجد الإشكال الحقيقي المتعلق بدول عدم الانحياز بشكل عام، وهي أنها ورغم مرور أكثر من نصف قرن ما زالت تفكر بذات الطرق الذهنية التي تولدت على أثرها في القرن الماضي، على الرغم من تغير أنماط التفكير والمفاهيم في حد ذاتها ما بين مشهد التأسيس والزمن الراهن.
والمطلوب هو إبداع عقل جديد في تجاوز النمطية في قراءة القضايا والمشكلات الراهنة في الدول المجتمعة بالتفكير في جملة المشكلات وفق رابط مهم وهو المحور الإنساني الذي ينظم جملة هذه التعقيدات، فالتحليل البسيط يكشف أن الأزمة المالية مثلا هي نتاج ممارسات خاطئة متراكمة أكثر من كونها نتاج أمر مفاجئ.
دول عدم الانحياز تحتاج إلى إعادة التفكير في المستجدات الكونية منذ خمسينات القرن الماضي وما تبعها من حركة العولمة بهدف تحويل هذه النقاط إلى قوى إيجابية تعمل لصالحها وهذا يتطلب بذل المزيد من الجهود الاستراتيجية ذات الأولويات لاسيما في الجانب التنموي الإنساني، والذي لا يمكن عزله باي حال من الأحوال عن مسارات الحياة الأخرى.
كما أن بناء النظم الاقتصادية الحديثة يتطلب قبل كل شيء بناء سياق مدني إنساني قائم على احترام الرأي والرأي الآخر داخل المجتمعات ورد الاعتبار للفكر والحريات والقيم الإنسانية والمعرفة الجديدة، لأن هذه المفاصل هي مركز الاقتراب نحو حلول مستقبلية إن لم تكن دائمة وذات دور في الاستقرار والأمان على مدى زمني بعيد.
