بينما أحيا الإسرائيليون الأربعاء الماضي، الذكرى الثالثة لحرب لبنان 2006 ومقتل الجنود الـ 121 في تلك الحرب، وفق إحصاءاتهم، في حين تحدثت مصادر أخرى عن أضعاف هذا الرقم الذي لم يخسره ذلك الجيش في أي مواجهة مع أي جيش عربي رسمي، فإننا يمكن أن نوثق أن نتائج وتداعيات تلك الحرب لا تزال تحرق الوعي الجماعي العسكرتاري ـ الأمني الوجودي لإسرائيل، بل إنها تركت فيه جرحا عميقا يبدو وفقا للقراءات الإسرائيلية المختلفة أنه لن يندمل، طالما أن هناك تلك القوة «المصورخة» التي تسمى «حزب الله» والمقاومة اللبنانية التي ألحقت الهزيمة بذلك «الجيش الذي لا يقهر»، كما كانوا يروجون!.

حاول المتحدثون رفع الروح المعنوية للجنود، والتأكيد على أن الجيش الإسرائيلي طبق دروس الحرب وأنه رفع جاهزيته وعزز قوته استعدادا لحروب مقبلة، إلا أن ذلك لم يكن جوابا شافيا لذوي الجنود القتلى الذين واصلوا توجيه الانتقادات الشديدة للحرب، فقال وزير الحرب باراك «إن الحرب ما زالت ماثلة في وعينا الجماعي كهزة دفعتنا إلى فتح عيوننا»، وخاطب الجنود بالقول: «بالنسبة لكم هي نقطة فاصلة مروعة، بعدها لن يكون شيء كما كان» (وكالات 8/7/2009)، وعن النتائج زعم باراك أن «الحرب حققت ردعا فعالا، وأعادت الهدوء إلى الشمال»، إلا أنه اعتبر أن الأوضاع «ما زالت قابلة للانفجار».

وأضاف: «حزب الله يعزز قوته ويواصل التسلح، ولم تنته أيام التصعيد». فأي ردع حققته الحرب لإسرائيل؟! ربما يكون ذلك الجيش رفع من جاهزيته عبر العدوان على غزة، وعبر أضخم تدريبات عسكرية شهدتها اسرائيل منذ قيامها، والتي أجريت في مطلع يونيو الماضي تحت اسم «نقطة تحول-3»، بعد أن سبقتها تدريبات مماثلة تحت اسم «نقطة تحول-1» و«نقطة تحول-2»، غير أن ذلك الجيش ما زال مذعورا وفق الشهادات الإسرائيلية، وتلك الدولة لا تزال قلقة جدا من ذلك المخزون الصاروخي لدى حزب الله ومن جاهزية مقاتليه، ولا تزال اسرائيل بكاملها تحت وطأة هواجس هزيمة أخرى، إذا ما تجرأت وشنت عدوانا جديدا على لبنان.

والذي يشغلهم ويقض مضاجعهم إلى حد كبير، هو تلك «البطن الرخوة» أي الجبهة الداخلية الإسرائيلية التي انهارت تماما خلال أيام العدوان. فلو أردنا أن نكثف نتائج وتداعيات تلك الحرب على اسرائيل والمجتمع والجيش الإسرائيلي، لقلنا بالعناوين الكبيرة:

ـ إن عام 2006 هو أسوأ عام في تاريخ الدولة العبرية..

ـ إسرائيل منيت بهزيمة حارقة لن تنسى على مدى الأجيال الإسرائيلية.

ـ هواجس وجود ومستقبل الدولة العبرية والمشروع الصهيوني تتفاعل على الأجندات الإسرائيلية..

ـ نظريات ومفاهيم عسكرية تساقطت، وأهداف سياسية واستراتيجية تحطمت.

ـ الجيش الإسرائيلي يعيد صياغة نظرياته العسكرية القتالية في أعقاب هزيمته في لبنان، وبيريز يدعو إلى تطوير سلاح ال«نانو تكنولوجي» لمواجهة نمط حزب الله القتالي.

لكل هذه الاستخلاصات المكثفة في الميزان العسكري والاستراتيجي الإسرائيلي، علاقة مباشرة بمفاهيم «العقيدة والنظريات العسكرية الحربية» و«التفوق المطلق» و«قدرة الردع» و«حرق الوعي» لديهم.. فقد سعت تلك الدولة على مدى العقود الماضية إلى الترويج لرواية خاصة متميزة تصورها كصاحبة جيش صغير وذكي وقوي لا يقهر، ويحقق الانتصارات السريعة الساحقة على مجموع الدول والجيوش العربية.

ولكن، وفقا لكافة المعطيات الإسرائيلية على نحو حصري، نجحت المقاومة اللبنانية في قلب كل الحسابات والتقديرات الاستراتيجية، وفي تحويل الانتصارات الإسرائيلية السريعة والمذهلة إلى هزيمة حرقت الوعي والمفاهيم الإسرائيلية.

ففي حربها على لبنان اعتمدت المؤسسة الحربية الإسرائيلية، ذات المفاهيم المستندة إلى بلطجة القوة والعربدة العسكرية بكافة تطبيقاتها وترجماتها على الأرض، على شكل عمليات القصف الجوي التدميري المكثف، ما تسبّب في تدمير قرى لبنانية كاملة ومحوها عن وجه الأرض وتدمير أحياء كاملة في العاصمة بيروت، إضافة إلى استهداف كافة عناوين البنية التحتية اللبنانية، من طرق وجسور وشبكات مياه وكهرباء وغيرها.. وكأنّ الجبروت الإسرائيلي كان يريد أن يقول للبنانيين وللشعوب العربية أيضاً: «هذا مصير مَن يحاول المس بإسرائيل.. هذا هو الثمن..».

ولكن عمليا، على الأرض وفي ميادين المواجهة والقتال هناك، لم تسر الرياح كما تشتهي المؤسسة الحربية الصهيونية، على الرغم من أنها رمت بثقلها الحربي المعروف في تلك المعارك المتدحرجة، ولكن كل حساباتها انقلبت رأسا على عقب.. وتحول المشهد الإسرائيلي من حالة النشوة والثقة المطلقة بالنفس والاعتقاد الراسخ بالانتصار السريع الساحق على حزب الله، إلى حالة اليأس والإحباط والإحساس بالهزيمة أمام هؤلاء المقاومين الذين لم تلن لهم قناة ولم يضعفوا.

فانقلبت الأمور والاستراتيجيات والأهداف، وكان أن واجهت «إسرائيل العظمى» أعظم إذلال عسكري في تاريخها، وهو ما أكده الخبير الأميركي بريت ستيغنر في صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية.

فميدانيا سقطت نخب الجيش الإسرائيلي في جحيم بنت جبيل، وكانت هناك «مجزرة الميركافا» أحدث وأكثر الدبابات تصفيحا في العالم!.

واستخباريا اعترفت المصادر الإسرائيلية بأن «حزب الله» نجح في هزيمة أضخم ثالوث للاستخبارات الإسرائيلية، وفي الحرب الإعلامية السيكولوجية جاء في دراسة إسرائيلية أن مصداقية حسن نصر الله تفوقت على مصداقية قادة اسرائيل لدى الرأي العام الإسرائيلي، وأن فضائية المنار «اللغز المحير» قارعت اسرائيل في حرب الأثير!.

وفي الخلاصة المكثفة المفيدة، كانت تلك الحرب باعترافاتهم أكثر الحروب فشلا، وشكلت قصة غامضة وحزينة في تاريخ إسرائيل.. ما عمق لديهم وفي كافة مؤسساتهم، هواجس وجود ومستقبل الدولة العبرية التي تتفاعل على الأجندات الإسرائيلية بلا توقف.

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com