يعجب المرء بتلك الحيوية التي يلمسها في دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، فمبادراتها إنما تدل على أنها في مرحلة الشباب، حيث الانطلاق إلى آفاق التنمية الرحبة دون خوف أو وجل. إنها بحق تضع اللبنات الأولى لاقتصاد ما بعد عصر النفط، فمن منا يصدق أنها أضحت قبلة للسياح يأتون إليها من مختلف أجزاء المعمورة لتكتظ بهم فنادقها وأسواقها وسواحلها؟ ومن منا يصدق أن فيها صناعات «لتجميع وتركيب» مختلف البضائع، هذا فضلاً عن كونها مركزاً مالياً مرموقاً، ومحطة تجارية نشطة ونقطة لإعادة التصدير؟ إن الإمارات قد فرضت نفسها على العالم فغدا اسمها يتردد على كل لسان، وباتت إعلانات شركاتها تتصدر الفضائيات العالمية.

وقبل أيام حققت الإمارات نصراً مظفراً إلى جانب انتصاراتها السابقة، فقد فازت باستضافة المقر الدائم للأمانة العامة للوكالة الدولية للطاقة المتجددة، والمعروفة اختصاراً ب«إيرينا»، وهي ليست منظمة قليلة الأعضاء ليكون الفوز سهلاً في ترؤسها، بل منظمة تضم في عضويتها دولاً من مشارق الأرض ومغاربها، لعلها جميع الدول الموجودة على خريطة العالم في وقتنا الحاضر، إذ تتكون من 131 دولة!!.

وفوز الإمارات على هذا العدد من الدول، ومن بينها دول عريقة في صناعة واستخدام أدوات الطاقة المتجددة، كبعض الدول الأوروبية وعلى وجه التحديد ألمانيا والنمسا وغيرهما، لإنجاز بحد ذاته، وهو يدل على ثقة المجتمع الدولي بقدرات دولة الإمارات العربية المتحدة الشابة والمنطلقة، وبتصميمها على ولوج آفاق جديدة للتنمية، وبالذات في تلك المجالات «البكر» التي سيكون لها شأن في المستقبل القريب.

وقد تهيأت لهذا النجاح أسبابه الأخرى، ومنها أن الإمارات من الدول القليلة، بل ربما الأولى التي ستدخل في تجربة فريدة وهي استخدام الطاقات البديلة على نطاق واسع، حيث تقوم حالياً ومنذ عدة سنوات بتشييد مدينة كاملة تعمل بالطاقة المتجددة، وستكون تلك المدينة آية في النظافة، حيث لا ملوثات ولا نفايات من تلك التي تنفثها في الهواء محطات الطاقة ووسائط النقل التي تعمل بالطاقة الأحفورية. وقد سميت تلك المدينة التي تحاذي مطار أبوظبي ب«مصدر»، ومساحتها ستة كيلومترات مربعة، وسيكون مقر «إيرينا» في وسطها فضلاً عن أنها ستحوي معاهد ومراكز دراسية متخصصة في الطاقات البديلة!!.

وظني أن هذا النجاح أيضاً لم يكن ليتحقق لولا العمل الدبلوماسي الدؤوب الذي قامت به الخارجية الإماراتية، فإقناع 130 دولة وكسب رضاها وموافقتها ليس بالأمر الهين، وهو يحتاج إلى جهد فائق واتصالات مستمرة. ولعل ما تنعم به دولة الإمارات من أمن وأمان يكادان يكونان مطلقين، وما يلفها من جو اجتماعي مريح ومتسامح، قد زاد من قناعة العالم بأنها ستكون خير مقر لهذه المنظمة. وستمد الحكومة الإماراتية هذه المنظمة بكل أسباب النجاح، ومنها الدعم المادي خاصة لتمويل مشاريع الطاقة البديلة في البلدان النامية.

وحسناً فعلت دولة الإمارات العربية المتحدة حينما كانت السباقة بين شقيقاتها العربيات في دخول عالم الطاقة البديلة واستخداماتها المتنوعة، فهذه الطاقة كانت مقتصرة على الدول الأوروبية المتقدمة المهتمة كثيراً بمسألة التلوث البيئي الناتجة من توليد الطاقة بالوقود الأحفوري، وما يسببه ذلك الوقود من انبعاث لغاز ثاني أكسيد الكربون المسؤول الأول عن الاحتباس الحراري، الذي يشهده العالم منذ سبعينات القرن الماضي وبوتائر متسارعة.

ثم إن هذه الدول هي الأفقر في مصادر الطاقة الأحفورية في المقام الأول، اللهم إلا الفحم الحجري، وهو مصدر للوقود لم يعد يستخدم لتلويثه الكبير للبيئة.

أما دولة الإمارات الشقيقة، فإنها حالياً ليست بحاجة إلى مصادر للطاقة لما تمتلكه من نفط وغاز، بيد أن ما تفعله الآن من اهتمام بالطاقات البديلة النظيفة والدائمة إنما هو عمل استثماري تعد به العدة لمرحلة ما بعد النفط، وهو استثمار سيأتي أكله في المستقبل القريب، ليس فقط بعائده المادي ـ وهو مهم بالطبع ـ ولكن بعائد ومردود على البيئة ونظافتها، وعلى استخدام مصادر متاحة في بيئتنا العربية بكثرة وبشكل مجاني، فأشعة الشمس لا تغيب عنا طوال السنة، وهي مصدر دائم لطاقة نظيفة ومتجددة.

وتخيلوا كم ستفيدنا هذه الطاقة الرخيصة والمتجددة في منطقتنا الفقيرة إلى مصادر المياه الطبيعية، في تحلية مياه البحر، ثم في الاستفادة من تلك المياه في زراعة وتشجير المساحات الشاسعة من صحارينا، أو على الأقل تلك التي تلف مدننا.

وكم سيكون لعمليتي التشجير والزراعة من التخفيف من غلواء الغبار والأتربة التي تعكر حياتنا، وكم ستساهم في تنقية أجوائنا، وكم سيعود ذلك بالفائدة على صحة الإنسان في منطقتنا والمناطق الشبيهة بمناخنا؟! ثم إن هذه الطاقات البديلة ـ لو تيسرت ورخصت أكلافها ـ فكم سيستفيد منها البشر في الدول النامية التي تقول الإحصائيات إن ملياراً من سكانها ما زالوا يفتقرون إلى نعمة الكهرباء؟.

هنيئاً لدولة الإمارات العربية الشقيقة، التي «جدّت فوجدت» على هذا النصر الذي هي أهل له، وهي بهذا العمل إنما تضع مثالاً طيباً يحتذى لشقيقاتها العربيات، في أن العمل الجاد المبدع هو السبيل إلى كسب ثقة العالم.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com