ما جرى ويجري في المنطقة العربية، في فلسطين والعراق ولبنان والصومال والسودان، وفي الجزائر وفي اليمن.. وما جرى ويجري في المنطقة الإسلامية، في أفغانستان وباكستان وفي إندونيسيا وتركيا وإيران، من فتن سياسية وطائفية وعرقية ومذهبية، هي مشاهد مأساوية لمشاريع استعمارية للفتن الأهلية ليستمر نزيف الدماء، يشعلها الأعداء ويستدرج إليها الأشقاء!
والهجمات العدوانية الصهيونية والتدخلات الغربية، بأشكالها الثقافية والإعلامية والسياسية والاقتصادية والعسكرية إلى حد الغزو والاحتلال، وإطلاق التهديدات بشن الحروب ضد الأوطان العربية والإسلامية، هي تحديات تتطلب الاستجابات، مما يفرض علينا معالجة أسبابها ومتابعة مساراتها وإفشال أهدافها، باستعادة ذاتنا وإرادتنا ووحدتنا ليمكننا امتلاك قوتنا لمقاومة أعداء أمتنا.
والتحديات الهائلة من حول أوطان العرب والمسلمين المجزأة بفعل فاعل شرير بهدف فرض واقع الاحتلال والهيمنة، والتجزئة والتخلف، والضعف والتبعية، لا سبيل لتجاوزها وطنيا أو عربيا أو إسلاميا إلا بالحوار لحل الخلافات وصولا إلى الوحدة، وبالوحدة لتجاوز التجزئة وصولا إلى القوة لمواجهتها.
فالبديل عن تحقيق الوحدة الوطنية طريقا إلى الوحدة العربية وصولا للوحدة الإسلامية استجابة للتحدي، إنما يعنى الفشل في امتحان الإرادة الوطنية بين شركاء الوطن الواحد، وفي اختبار الإرادة القومية بين شركاء الوطن الواحد، وفي تحدي الإرادة الإسلامية لأبناء الأمة الواحدة، ويعني السماح بتمرير مخططات (الفوضى الهدامة) المعادية لكل ما هو وطني وعربي وإسلامي.
الوحدة الوطنية ضرورة لتحقيق الوحدة العربية، والاتحاد العربي هو المقدمة لبناء الاتحاد الإسلامي، وِلا إمكانية لتحقيق وحدة عربية بدون صلابة الوحدة الوطنية على أسس وفاقية، ولا إمكانية لتحقيق اتحاد إسلامي بدون اتحاد عربي على أسس شعبية، والرباط بين الدوائر الثلاث، الوطنية والقومية والدينية، يستند إلى تاريخ متواصل، وجغرافيا متصلة، ومصالح مشتركة، وعقيدة سماوية من مصدر واحد.
وعلى هدي مبادئ ديننا، علينا أن نعرف حقيقة أنفسنا وأن نعي غاية رسالتنا، وأن ندرس خريطة واقعنا، وأن نتشاور ونتحاور فيما بيننا، لنعرف من هو عدونا ومن هو شقيقنا ومن هو صديقنا، حتى لا تختلط علينا الرؤى فنسقط في الفتنة التي يشعلها ويغذيها أعداء العروبة والإسلام، لنعود من بعد الهدى والوحدة فرقا جاهلية يضرب بعضنا رقاب بعض، بعيدا عن رسالة التوحيد باسم الدفاع عن رسالة التوحيد.
وما يجري الآن من مشاهد خلافية وانقسامية وانفصالية بين الإخوة الأعداء على امتداد أمتنا، يشير إلى فصل جديد من فصول الصراع السياسي والاقتصادي والثقافي، بين قوى التحرر والتقدم الساعية إلى استعادة الذات واستعادة الوحدة التي مزقها الاستعمار، وبين قوى الاستعمار الجديد والتبعية المحلية الساعية بمصالحها الضيقة لإلحاق العالم العربي بالعالم الغربي، ومصالحة الأعداء ومعاداة الأشقاء، وتكريس التجزئة وتجزيء المجزأ، وتغريب الهوية الثقافية للأمة العربية بخطابات تغريبية وفتنوية وانفصالية.
لكن شعوبنا الواعية تعرف أنصارها وتكشف أتباع أعدائها، وقادرة على تصحيح المعادلات المختلة في العقول المحتلة، في اتجاه مبادئها ومصالحها بالاستقلال الحقيقي وبالتحرر الثقافي والسياسي والاقتصادي من المشاريع الاستعمارية والمروجين لأفكارها، وفي اتجاه الولاء لثوابتها الدينية والاعتزاز بهويتها الحضارية وقيمها الإنسانية، وفي اتجاه سعيها لتثبيت وحدتها الوطنية، ولاستعادة وحدتها العربية لبناء قوتها الذاتية، لتحقيق حريتها السياسية، وتنميتها الاقتصادية، وعدالتها الاجتماعية.