الديمقراطية بالمفهوم المعاصر حكم الأغلبية عن طريق الانتخابات العامة الحرة، واحترام رأي ومصالح الأقليات، وممارسة ذلك في المؤسسات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني. حكم قوامه العدالة والمساواة والحرية تكفلها الدساتير والقوانين المدنية.
المشكلة هي أن ممارسة الديمقراطية في العالم مختلفة ولا تتفق مع ذلك المفهوم، لأن الواقع السياسي والثقافي والاجتماعي لا يسمح بتطبيق ديمقراطي حقيقي. فالواقع السياسي لا يؤمن بالديمقراطية، والواقع الاجتماعي والثقافي متخلف.
تعالوا نتحدث قليلاً عن الأغلبية والأقلية. إن نجاح الأغلبية بأية وسيلة في أية مؤسسة نعتبرها ديمقراطية، ونفترض أنها أغلبية حقيقية في الغالب تؤدي إلى سيطرة ممثليها، فتمارس السلطة والتسلط بتهميش واضطهاد الأقليات.
إننا لا نزال نعيش في عصر العشائر والقبائل، وندعي أننا نعيش في ظل الدولة المدنية. ونعيش في عصر الطوائف ومصالحها الفئوية، ونكيف الدساتير والقوانين فئوياً باسم الديمقراطية. إن شعوبنا تتكون من عناصر ومذاهب وفئات إثنية يتفوق بعضها على بعض في العدد والتأثير، ولكنها جميعاً مواطنة يجب أن تتساوى في الحقوق والواجبات كما تنص على ذلك دساتير دولها. ففي السودان ولبنان والعراق، على سبيل المثال، إثنيات متنوعة تاريخية، هي تعددية يجب تحويلها إلى مقوم إيجابي في التنمية والتطور والنهضة، وليس إلى صراع الأضداد والتنافر.
تدعي السلطة السياسية، سواء جاءت عن طريق الانتخابات أو فرضت على الشعب في العالم الثالث، انها ديمقراطية، وحتى الحكم الديكتاتوري المطلق يختفي وراء مصطلح الديمقراطية. إن الحرية أساس الديمقراطية. الحرية التي تتوفر فيها أساسيات الحياة من حق العمل والعيش بكرامة مع حرية الرأي، وهذه غير متوفرة في أغلب دول العالم الثالث، وحتى الهامش الديمقراطي لدى بعضها محدود ومهدد من الأغلبية التي ترى مصالحها الفئوية فوق كل اعتبار.
إذا كان الوضع العام في المجتمع متخلفاً رغم مظاهر التطور، فمخرجاته على كل المستويات ستكون كذلك. فعلى سبيل المثال الأحزاب السياسية في دول العالم الثالث معظمها غير ديمقراطية، إذا وصلت إلى السلطة أو حتى إذا كانت في المعارضة؟! فالقوى السياسية تنتقد بقاء الحكام في السلطة فترة زمنية طويلة ولا تلجأ إلى عملية تدوير السلطة، لكنها هي نفسها تبقى زعاماتها مدة أطول من فترة الحكام الذين تنتقدهم!.
إن مشكلة الرأي والرأي الآخر والهوة بينهما تتسع بدلاً من أن تضيق، ويبدو أننا في هذا العالم الثالث فرديون متسلطون ونريد أن نبقى كذلك، وفي الوقت نفسه ندعي الديمقراطية. لكن قد يعتقد البعض أن ذلك أمر حتمي، أو أن الصورة قاتمة دائماً.
لا نعتقد ذلك، فهناك في خضم هذا الواقع المتخلف للعالم الثالث النامي، محاولات محدودة وهامش لتجارب على طريق الديمقراطية الطويل، لكن هذه التجارب تشكو من سلبيات كثيرة، وبناء عليه يمكن القول ان وجود تلك التجارب واستمرارها أفضل من عدمه، لأنها ستفتح أبواباً لإصلاح الأحوال ولترسيخ وتوسيع الممارسة الديمقراطية.
علينا أن نعلم أن التطبيق الديمقراطي قضية حياة، وليست نهجاً مؤقتاً. إنها تتطور من خلال الممارسة وتتعلم من أخطائها، وتتعرض لانتكاسات في مسيرتها، بيد أن المهم أن يبقى المؤمنون بها يعملون من أجل ترسيخها وتطويرها فكراً وتطبيقاً.
ولما كانت الديمقراطية وتطبيقها تعني تغييراً في النهج باتجاه مشاركة سياسية في اتخاذ القرار، فإن ذلك تحول تاريخي سيواجه معارضة من أعداء الديمقراطية من الديكتاتوريين والأتوقراطيين والثيوقراطيين، وقد تحتاج بعض هذه المصطلحات إلى توضيح لا يتسع له المجال هنا. لكنها أصبحت معروفة لكثرة تداولها.
إن بعض التجارب «الديمقراطية» في عدد من دول العالم الثالث تريد سلطاتها ديمقراطية خاصة بها مفصلة على مقاسها ولمصالحها، ولكن عندما تتسع وتترسخ الديمقراطية تعمل على تحجيمها والحد منها بإجراءات غير ديمقراطية.
ونذكر في هذا الصدد إشكاليتين: الأولى اللجوء إلى تزوير الانتخابات، فلدى السلطات الإمكانيات المادية والإعلامية والسلطوية لفعل ذلك. والثانية، اللجوء إلى تعديل الدساتير لمصلحتها بالأغلبية التي حصلت عليها في الانتخابات.
وذلك التعديل ليس لمزيد من المكاسب الديمقراطية أو تعميقها، بل لصالح تلك السلطات كما علمتنا وتعلمنا التجارب في العالم الثالث، وإذا رفضت القوى المعارضة ذلك المسلك المنفرد أو المزدوج، تزوير الانتخابات أو تعديل الدستور، ووجهت بالقمع والتخوين، وتستمر تلك السلطات في ادعاء أنها ديمقراطية!.
إذا كان الجميع يتحدث عن الديمقراطية، وهي مفتاح النهضة، فلماذا لا يزال العالم الثالث ثالثاً ولم يتطور وينتقل إلى الثاني ومن ثم الأول؟ ويرى الكثيرون أننا في هذا العالم نتراجع حتى عن معايير العالم الثالث النامي، ويسميه البعض بالعالم الثالث عشر لشدة تخلفه، فهل هو فعلاً كذلك؟.
علينا أن نفكر في هذا السؤال ونلتفت حولنا لعلنا نعثر على الجواب. وإذا كنا واعين وواقعيين وموضوعيين، سنعرف الحقيقة وسندرك أن التسمية الجديدة ليست عبثية، حتى تبدأ من جديد رحلة الألف ميل بخطوة حقيقية على طريق الديمقراطية في المجتمعات التي زورت الانتخابات وانتهكت فيها الدساتير.. والذين حققوا إنجازات ديمقراطية حقيقية، على شعوبهم أن تتشبث بها وتمسكها بأسنانها، في عصر ديمقراطي الشكل لا ديمقراطي المضمون، خاصة في العالم الثالث عشر.
كاتب كويتي
