منذ انطلاق فجر النهضة المباركة التي أرسى دعائمها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ كان حرص جلالته على سياسة تنويع الموارد للاقتصاد الوطني أحد الملامح النموذجية التي توجت المسيرة الظافرة التي يقودها عاهل البلاد المفدى الذي نبه ـ أعزه الله ـ بأن النفط ثروة ناضبة ولا بد من البحث عن وسائل جديدة ومرادفة للدخل.

وفي هذا الإطار تم تأسيس الشركة العمانية للنقل البحري كناقل وطني، يتواكب مع توجهات الحكومة نحو إكمال بناء البنية التحتية من جميع النواحي، فقد غدت الشركة بما تملكه من أسطول من الناقلات دليلاً على أهمية هذا التوجه والتي سيصل عددها إلى 38 ناقلة مملوكة للشركة بحلول عام 2012، وذلك بعد نجاح الشركة في التوقيع على اتفاقية بناء أربع ناقلات عملاقة مع شركة جيانغسو رونغسنغ للصناعات الثقيلة الصينية أمس الأول في مدينة شنجهاي الصينية.

ويؤكد التوقيع من حيث الدلالة والمضمون قوة الاقتصاد الوطني ومتانته وقدرة أركانه ودعائمه على تجنب أية مؤثرات سلبية للأزمة المالية العالمية وتقلبات أسعار الطاقة في العالم بسبب المضاربات الحاصلة في الأسواق العالمية بغية الوصول إلى الربح السريع، دون وعي لما ستؤول إليه الأمور، وعدم القدرة على استلماح ما قد ينشأ مستقبلاً من مخاطر تنعكس سلبًا على أداء الاقتصاد العالمي برمته.

وهذا ما كان بالفعل حيث أخذت تداعيات السياسة غير الرشيدة لدى القوى الاقتصادية الكبرى في التعاطي مع موارد الطاقة والمضاربة فيها في إحداث تأثيراتها السلبية، من تفاقم أسعار الغذاء وظهور موجة غلاء فاحش وعدم قدرة الشعوب الفقيرة على مواجهة هذه الارتفاعات المستمرة في المواد الاستهلاكية والوقود، وذلك للارتباط القائم بين أسعار الطاقة والمواد الاستهلاكية.

غير أن الرؤية الحكيمة لجلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ باستشراف المستقبل بمراحل أعطت نتائج عظيمة وكبيرة في أداء الاقتصاد الوطني، مكنته من أن يتبوأ مكانة مرموقة بين اقتصادات العالم، ففي الوقت الذي تبحث فيه دول مصنفة على أنها من ذوات الاقتصادات القوية عن وسائل تمنع انهيار اقتصادها وتنقله من حالة الركود، أخذت الاتفاقيات التنموية والاقتصادية في السلطنة تترى متجاوبة مع الطموحات ومتماشية مع الخطط الاستراتيجية والرؤية المستقبلية للاقتصاد العماني.

إن توجه حكومة السلطنة نحو بناء مثل هذه الناقلات، جاء متواكبًا مع النجاح الكبير الذي حققته في إنشاء الموانئ البحرية وتوسعتها كمشروع توسعة ميناء خصب ومشروع ميناء الحوض الجاف في الدقم بالمنطقة الوسطى والذي يشمل بناء حوضين وحوض آخر عائم لإصلاح وصيانة ناقلات النفط والغاز التي يتجاوز وزنها 100 ألف طن، ومشروع توسعة ميناء صحار بإقامة مزيد من الأرصفة وتوسعة محطة الحاويات به، ومشروع مرسى بحري في شنة بالمنطقة الوسطى، ومشروع توسعة ميناء صلالة بالإضافة إلى ميناء شناص. الأمر الذي سيجعل من السلطنة منطقة جذب اقتصادي واستثماري.

كما أن بناء هذه الناقلات سيخفض كلفة النقل التي كانت تتم عبر ناقلات مستأجرة، بحيث تكون كقيمة مضافة إلى العائد، أضف إلى ذلك أن هذه الناقلات ستتيح فرص عمل للكوادر العمانية الشابة والطامحة في خدمة بلادها، وحسب الشركة العمانية للنقل البحري فإنه تم ابتعاث ما يزيد على 70 طالبًا عمانيًّا للدراسة إلى المملكة المتحدة ليكونوا قباطنة ومهندسين وفنيين في مختلف التخصصات التي يحتاجها قطاع النقل البحري.

وبالنظر إلى الهدف الذي من أجله تم بناء هذه الناقلات الأربع التي تم تأجيرها لمدة عشرين عامًا لصالح شركة فالي البرازيلية التي تعمل حاليًّا على بناء مصنع لإنتاج كريات الحديد في منطقة ميناء صحار الصناعية والذي من المؤمل أن يبدأ إنتاجه في نهاية عام 2010، يبرز البعد الاقتصادي والنهج الحكيم في اقتناص الظروف المواتية؛ حيث من الممكن أن تقتطع تكلفة بناء الناقلات من عوائد تأجيرها هذا من ناحية، وانخفاض قيمة المنتج بعد حذف ضريبة النقل والتأجير والتأمين من ناحية أخرى.

وهكذا تمضي مسيرة البناء الوطني مبحرة بثبات، مؤكدة ثبات ورسوخ خطوات النهضة المباركة لتعلو صروح هذه النهضة مبشرة بغد أكثر إشراقًا لهذا الوطن وأبنائه تحت ظل القائد الذي وعد فوفى.