كذّبت رئيسة حزب كاديما المعارض تسيبي ليفني ادعاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بأنه وافق على حل الدولتين، وقالت ليفني إن نتانياهو أدرك أن العالم يريد منه أن يقول ذلك فقال، لكنه لا يؤمن بحل الدولتين ولا يؤيد قيام دولة فلسطينية حتى لو كانت منزوعة السلاح، وهذه أقصى درجات الوقاحة.

أقوال ليفني هي رسالة أيضا لكل الذين اعتبروا أن مجرد نطق نتانياهو بكلمة دولة فلسطينية، هو تقدم نوعي يسمح باستئناف المفاوضات. ولم يقرأ هؤلاء أو تجاهلوا شروطه لاستئناف المفاوضات، وهي الاعتراف الفلسطيني بأن اسرائيل دولة لليهود، وأن القدس عاصمة لإسرائيل وخارج نطاق التفاوض، وأن حل قضية اللاجئين يجب أن يتم بعيدا عن اسرائيل، وكأن اللجوء كان بفعل فاعل غير إسرائيلي! .

والواقع أن الإدارة الأميركية ومعها أوروبا ككل، تكاد تقع في المصيدة الإسرائيلية طوعا، وبدأت تمارس ضغوطا على الجانب الفلسطيني لكي يعلن استعداده للتفاوض دون تحديد أهداف لهذه المفاوضات، وكذلك بدأت الإدارة الأميركية تمارس ضغوطا على بعض الدول العربية لاتخاذ خطوات تطبيعية مع اسرائيل، مقابل ما ستقوم به إسرائيل من إزالة حواجز في الضفة الغربية وإزالة 23 موقعا استيطانيا تعتبرها إسرائيل غير قانونية، من بين حوالي مائة، وتجميد مؤقت للاستيطان باستثناء استكمال بناء 2500 وحدة سكنية.

لكن المقابل هو قيام زعماء عرب بزيارة إسرائيل، وبالتحديد القدس، ما يعني اعتبارها عاصمة لإسرائيل، واستقبال زعماء عرب لقادة إسرائيليين في عواصمهم، وزيادة المبادلات التجارية والسماح بفتح مكاتب تمثيل لإسرائيل في الدول العربية، خاصة تونس والمغرب وعمان وقطر، والسماح بتحليق الطائرات الإسرائيلية في الأجواء العربية.

فاللقاءات المتتالية التي يعقدها المبعوث الأميركي جورج ميتشيل مع وزير الحرب الإسرائيلي إيهود باراك، لا تتركز على الاستيطان فقط، بل هناك أخذ ورد حول ما أنجزته الإدارة الأميركية بشأن اتخاذ العرب خطوات تطبيع تجاه اسرائيل، أي أن اسرائيل تريد مبادرات عربية ردا على مبادرتها لإزالة حاجز هنا وهناك أو إزالة بيوت جاهزة أو أكواخ أقامها مستوطنون قرب مستوطنات قائمة! فالثمن الذي تطلبه اسرائيل باهظ جدا، فهي تطلب ثمن السلام قبل تحقيقه، ولا تقدم شيئا على المستوى السياسي لحل القضية الفلسطينية، باستثناء عبارة جوفاء قالها نتانياهو عن قيام دولة فلسطينية، ونفاها في جلسة خاصة مع قادة حزبه والأحزاب المتحالفة معه. فهو عمليا لا يملك مشروع سلام، بل ما زالت جهوده وجهود الأحزاب المتحالفة معه في حكومته تركز على توسيع الاستيطان.

وتبين أن هناك مخططا لجلب 800 ألف مهاجر يهودي أو غير يهودي، وهناك مخطط قديم لهدم 20 ألف منزل في القدس المحتلة تؤوي 180 ألف نسمة، أي أن التهجير والتشريد ينتظران كل سكان القدس المحتلة، وهذا المشروع يجري العمل فيه دون كلل، لأن اسرائيل لا تعتبر القدس أرضا محتلة، وبالتالي تتصرف فيها وكأنها مدينة تل أبيب.

وقد دعمت حكومة نتانياهو نفسها باستطلاعات للرأي موجهة سياسيا، كما قال بعض المحللين الإسرائيليين، تفيد بأن أغلبية الإسرائيليين تؤيد استمرار الاستيطان.

فالسيناريو التطبيعي هذا عمليا لا يخدم قضية المفاوضات ولا يخدم القضية العربية ككل، لأنه يستبق الأحداث ويكرس الوضع القائم، ويعطي اسرائيل وقتا إضافيا لتواصل سياستها الاستيطانية في السر والعلن، دون رقابة من أحد، ويضع الدول العربية في موضع حرج إن هي تراجعت عن أية خطوات تطبيع تتخذها تجاه إسرائيل.

فالعارفون ببواطن الفكر الأيديولوجي الديني والقومي للأحزاب الإسرائيلية في حكومة نتانياهو، يدرك أنها متحالفة على رفض الدولة الفلسطينية بأي شكل من الأشكال، وأنها تريد فرض رؤيتها للحل بحيث تستحوذ على أكبر مساحة من الأرض المحتلة، فيما تمنح التجمعات السكانية الفلسطينية حكما ذاتيا بلا أية صلاحيات أو سيادة على الأرض والحدود وأحواض المياه، وبدون جيش وبدون سلاح باستثناء سلاح الشرطة، وهو سلاح رشاش خفيف.. أي حكم ذاتي خفيف ضمن دولة الاحتلال الثقيلة.

كاتب فلسطيني

hafezbargo@hotmail.com