جورج ميتشيل المبعوث الأميركي الخاص لشؤون الشرق الأوسط، يلغي اجتماعا كان مقررا في باريس مع رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتانياهو خلال زيارته للعاصمة الفرنسية في اللحظة الأخيرة، بسبب عدم وجود أفكار إسرائيلية ايجابية حول موضوع وقف الاستيطان.
ميتشيل يلتقي بعد ذلك مع وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك في لندن للتفاوض مرة أخرى حول موضوع الاستيطان، بغية التوصل إلى تفاهم أميركي إسرائيلي في هذا المجال يبدو انه ما زال بعيدا، رغم بعض التقدم الحاصل باتجاه ذلك التفاهم. تولي إيهود باراك هذا الملف يحمل رسالتين، أولاهما انه ملف أمني بامتياز، لذلك تولاه وزير الدفاع وليس وزير الخارجية، وثانيهما أن الأول أكثر قبولا وبالتالي أكثر قدرة على المناورة عبر مرونة ظاهرية فقط، من وزير الخارجية ليبرمان.
فالاستيطان يبدو أنه عنوان الانخراط الأميركي «الأوبامي» في ملف الشرق الأوسط، وتحديدا وقف الاستيطان. يقود ذلك إلى الملاحظات التالية: أولا، أن واشنطن اختارت الاستيطان كمدخل لمقاربتها تسوية ملف الشرق الأوسط، باعتبار أن الاستيطان أكثر القضايا تهديدا لمستقبل السلام، فهو يمثل تآكلا مستمرا للأرض الفلسطينية وللمياه تحت الأرض، ويحمل تمددا ديمغرافيا إسرائيليا يضغط على الديمغرافيا الفلسطينية في الضفة الغربية بشكل خاص، إلى جانب ضربه للبنية الجغرافية المستقبلية لهذه الدولة. انه السرطان الذي يأكل جسم الدولة القادمة ويمنع قيامها إذا ما تم الاتفاق على إقامتها.
ثانيا، مصداقية الدور الأميركي العائد على المحك، فإذا لم تستطع واشنطن وقف هذا الخرق الإسرائيلي الفاضح والمتزايد للقرارات الدولية ولاتفاقية جنيف الرابعة، فانه من الصعب التصديق أن واشنطن قادرة لاحقا أن تدفع فعليا باتجاه السلام.
وثالثا، أن الاستيطان لاغ للسلام، وأن كل يوم تأخير في هذا المجال كما أشرنا في الأسطر السابقة، يعني أن موضوع السلام يصبح بمثابة فرضية نظرية، وأن منطلقات وآفاق السلام منذ مؤتمر مدريد تصبح لاغية على الأرض. وللتذكير، تحاول واشنطن التركيز مباشرة وعبر عديد من أصدقائها الغربيين، على هذا المدخل مؤكدة أنه لم يوجد أي التزام أميركي بالقبول بالنمو الاستيطاني في تفاهم بوش ـ شارون الذي تم التوصل إليه عام 2004، وأن التجميد هو عنوان السياسة الأميركية والمدخل لمفاوضات جدية. الرد الإسرائيلي، ومعه ردود أصدقاء إسرائيل وفي طليعتهم بالطبع إليوت أبرامز، يؤكد على نقطتين: أولا أن التفاهم الإسرائيلي الأميركي المشار إليه، يلحظ حق إسرائيل في النمو الطبيعي للمستوطنات.
ويقول إليوت أبرامز في رده على وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون إنه كان هنالك اتفاق «وأنا اشهد على ذلك، باعتبار أنني شاركت في تلك الاجتماعات»، ولو أنه اتفاق أو تفاهم شفوي. المثير للاهتمام أن هنالك ردا أميركيا آخر على هذا الكلام، وقوامه أن ما حصل هو نوع من التباس في الفهم الإسرائيلي، وأنه بأي حال فإن تغيير الظروف يسقط تفاهمات شفهية من هذا النوع.
النقطة الأخرى في الرد الإسرائيلي على المقاربة الأميركية، قوامها أن من الخطأ وضع شرط مسبق للولوج في المفاوضات والتركيز على بند، على حساب بنود أخرى، وبالتالي ضمن هذا المنطق، فإن موضوع الاستيطان يجب أن يطرح مع المواضيع الأخرى، مثل القدس والحدود والأمن والمياه والعلاقات المستقبلية. إنها استراتيجية إغراق السمكة في المياه التي يجيدها الإسرائيليون بامتياز. هذا مع التذكير بأن الخطاب الرسمي الإسرائيلي يعتبر أن القدس والاستيطان خارج المفاوضات، ولسان حاله يقول: في المفاوضات شرطي الوحيد للتفاوض أن لا تكون هنالك شروط من طرفك، وأن تقبل بشروطي في الوقت ذاته!.
خلاصة الأمر في لعبة عض الأصابع الأميركية الإسرائيلية، تبدو هنالك الاحتمالات التالية: أولا، التجميد التام والكلي للاستيطان، وهو مطلب عربي أساسا وهو ما يجب أن تكون عليه الأمور بغض النظر عن وتيرة المفاوضات وتوقيت عودتها، وذلك لسببين أولهما قانوني دولي، وثانيهما واقعي باعتبار أن الاستيطان يلغي السلام، لكن ضمن الموازين العربية الإسرائيلية الدولية القائمة يبدو هذا الاحتمال بعيدا كل البعد للأسف عن التحقق.
ثانيا، التجميد الكلي المؤقت لفترة قد تكون ثلاثة أشهر، وهو ما تطرحه واشنطن وما طرحته قبلها فرنسا وما تدعو إليه الدول الأوروبية بشكل أو بآخر، كخطوة بناء ثقة أساسية لإطلاق المفاوضات، وهو أيضا ما ترفضه إسرائيل بشدة وما يرى الكثيرون أن واشنطن لن تذهب إلى صدام معها حول هذا الأمر. ثالثا، التجميد المؤقت الانتقائي أو المعروف بالسماح باستمرار «النمو العمودي»، كأن يقبل بأن تستمر إسرائيل في استكمال الأبنية والوحدات السكانية التي بدأ تشييدها وهذه عملية التفافية حول شرط الوقف الكلي للاستيطان، إذ يجري استنباط رخص بناء ويقال إن القانون الإسرائيلي يمنع تجميدها.
لكن يبقى هذا الخيار احتمالا قابلا للتنفيذ بسبب «رماديته» وتوفيره التبريرات اللازمة لمن يريد التفاوض والالتفاف حول هذه المسألة. وللتذكير، فان إسرائيل، كما جاء في تقرير حول البؤر الاستيطانية الذي قدم إلى حكومة شارون عام 2005، لم تقم ما يعرف تحديدا وقانونيا بمستوطنة جديدة منذ عشرين عاما، إنما لجأت إلى إقامة أحياء جديدة بعيدة مئات الأمتار أو أكثر عن مستوطنات قائمة، وجرى بعد ذلك التمدد نحوها ضمن لعبة توسيع المستوطنات كبديل عن إقامة مستوطنات، مع أن النتيجة هي ذاتها! رابعا، قيام إسرائيل بتفكيك ما يعرف في اللغة السياسية الإسرائيلية بالبؤر الاستيطانية المتوحشة، وهي تلك الخارجة عن القانون الإسرائيلي والتي أقيمت دون موافقة إسرائيلية، وهي تعرف أيضا «بالبؤر العشوائية»، وكانت إحدى أهم نقاط لقاء ميتشل وباراك، وظهر خلاف واسع بينهما حول عدد هذه المستوطنات «غير القانونية» التي تبدي اسرائيل استعدادا لتفكيكها مقابل تنازلات عربية.
ويبدو أن «المواجهة» الأميركية الإسرائيلية قد تنتهي بتسوية تقوم على تفاهم مطاط، يكون خليطا من الاحتمالين الأخيرين، وهما التجميد المؤقت الانتقائي وتفكيك بعض البؤر العشوائية ونقل سكانها إلى المستوطنات، مقابل ربط ذلك الأمر بشروط التطبيع التدريجي تحت عنوان السلام الإقليمي مع العرب بحيث تنتقل الكرة، كرة الضغط، إلى الملعب الفلسطيني الإسرائيلي بعد انتزاع «انجاز» في الورقة الاستيطانية. والجدير بالذكر أن التمسك الشديد بنقطة ثانوية عند إسرائيل ثم التنازل عنها بمضض وصعوبة مقابل الحصول على تنازلات أساسية من الطرف الآخر، يشكل سمة معروفة في أسلوب إدارة المفاوضات الإسرائيلية.
مخاطر ذلك في ظل الانقسام العربي والفلسطيني من جهة، وحصول تفاهم أميركي إسرائيلي من جهة أخرى، والضغوطات للتطبيع بالمفرق والجملة وبخطوات صغيرة رمزية، أن احتمال العودة إلى المفاوضات الجدية سيبتعد أكثر، وأننا قد نغرق مجددا في التفاصيل التي تحجب ضرورة التفاوض على أسس وقرارات الشرعية الدولية.
فالارتباك والتعثر والانقسامات، كلها عناصر قد تستقر سمات في سياسات رد الفعل العربية والفلسطينية، طالما أن العرب والفلسطينيين لم يبلوروا حتى الآن استراتيجية للتعامل مع المعطيات الجديدة، الأميركية والإسرائيلية، تستند دون شك إلى مبادرة السلام العربية، وتستند، وهذا هو الأهم، إلى توظيف إمكانات وراء تلك الاستراتيجية تعطي مصداقية لها، وهو ما ينقص كل المقاربات العربية للسلام حتى هذه اللحظة.
كاتب لبناني