لأن منطق الوحدة يختلف جذريا عن منطق الضم، فإن الوحدة لا يمكن أن تفرض على الجماهير، ولأن الوحدة هي إرادة الشعوب العربية والمسلمة، فلم يحدث أبدا أن فرضت على الجماهير التي ناضلت من أجلها ولا تزال تسعى لتحقيقها، لكن واقع الأمر أن التجزئة والانفصال هما ما فرضته القوى الاستعمارية بسايكس ـ بيكو الأنجلو فرنسية على الأوطان والشعوب العربية والإسلامية.

فالوحدة المصرية السورية لم تتم بالقوة في 22 فبراير عام 58 بل بإرادة شعبية عارمة، بينما الانفصال المدان شعبيا هو ما وقع بالقوة في 28 سبتمبر عام 61، بانقلاب عسكري ضد الشرعية وضد الإرادة الشعبية في الإقليمين الشمالي والجنوبي للجمهورية العربية المتحدة معا، ولم يشأ جمال عبد الناصر أن يستعمل القوة تصديا لها، ثقة في أن الشعب السوري الذي فرض الوحدة بمقدوره إفشال الانفصال.

والوحدة اليمنية لم تفرض بالقوة، بل بإرادة شعبية هائلة في الشمال اليمني والجنوب اليمني في 22 مايو عام 90، وحقيقة ما حدث في 7 يوليو عام 94 لم يكن فرضا للوحدة بالقوة كما يزعم الانفصاليون، بل كان إحباطا لمحاولة حزبية عسكرية انقلابية فاشلة لفرض الانفصال بالقوة، تصدت لها القوة الحامية للشرعية المدعومة بالإرادة الشعبية الجنوبية والشمالية للجمهورية اليمنية، وهزمتها.

الوحدة هي صيحة العصر، وليس الانفصال قصير النظر في عصر العولمة، عصر الكبار لا عصر الصغار، عصر العمالقة لا عصر الأقزام، عصر الاتحادات الإقليمية والقارية التي تزيل الحواجز والحدود بين الوطنيات والقوميات، وتجمع الكل في كيان اتحادي كبير.. وليس عصر 22 سلطنة جنوبية أنشأها الاستعمار الإنجليزي في الجنوب اليمني قبل الاستقلال، ولا عصر 22 دولة مجزأة بخرائط المستعمرين في الوطن العربي، ومن لا يسمع صيحة العصر يقف في الاتجاه الخاطئ خارج التاريخ وخارج العصر!.

والعالم كله من حولنا في الشمال أو في الجنوب، في الشرق أو في الغرب، يتحرك لبناء اتحاداته الأوروبية والأفريقية واللاتينية، إلا نحن من يسيرون عكس اتجاه حركة التاريخ!!.. بينما الوَحدة هي التي تصنع القوة، والقوة هي التي تحمي الحرية وتبني التقدم، والتفرق والتشرذم والتجزئة في كيانات صغيرة أو في كانتونات هزيلة، كما يحاولون في العراق والصومال والسودان ولبنان وأخيراً في اليمن، لا تجلب إلا الضعف والتبعية والتخلف والهوان.

في الماضي جرى تهشيم الأمة الواحدة بالقوة إلى دول صغيرة، وفي الحاضر يسعى الاستعمار الجديد لنشر «الفوضى الهدامة»، لتفكيك الدولة الواحدة وتشطيرها إلى كيانات وشظايا متناقضة لتسهيل سيطرته على الضعفاء، ولتمكين «إسرائيل اليهودية» لكي تكون هي القوة الإقليمية الكبيرة والوحيدة في المنطقة.. فهل نكون أدوات لخدمة الأعداء والاقتتال مع الأشقاء؟!!.

والصورة العربية والإسلامية الآن وما يجرى فيها من خلافات سياسية قومية، وفتن طائفية وطنية، ومواجهات مذهبية دينية، ودعوات انفصالية عرقية أو مناطقية شمالية أو جنوبية شرقية أو غربية، توشك أن تدخل المنطقة في شرور حروب أهلية، لا قدر الله، لن تخدم سوى إسرائيل العنصرية والقوى الاستعمارية.. فمع من يقف هؤلاء ضد أهداف شعوبهم؟!.

والهدف من تلك المؤامرات الفوضوية وتلك الأصوات الانفصالية المبحوحة، هو منع صعود أي قوة إقليمية عربية أو إسلامية مستقلة ومتقدمة ومتحدة، تتناقض مبادئها ومصالحها مع مصالح قوى الهيمنة الاستعمارية، وإبقاء دولنا كحديقة خلفية لها، ومنطقة نفوذ لأطماعها المتجددة، وقاعدة لمشاريعها الإمبراطورية..

فمتى نفيق من غفلتنا لنستعيد ذاتنا ووحدتنا وعزتنا من جديد؟!!

mamdoh77t@hotmail.com