لست مع الذين يحاولون تشبيه نائب الرئيس الأميركي بايدن بسلفه نائب الرئيس السابق ديك تشيني، علش خلفية تصريحه الذي بدا وكأنه موافقة لإسرائيل بتوجيه ضربة عسكرية لإيران.. وهو ما حاول الرئيس الأميركي نفسه وأركان إدارته نفيه بعد ذلك. الفارق كبير.. فقد كان تشيني هو الذي يقرر السياسة الفعلية للولايات المتحدة مع رئيس لا يكتفي بجهله بل يعتز به، بينما بايدن ـ رغم خبرته السياسية الطويلة ـ هو جزء من إدارة يمسك بكل أدواتها الرئيس أوباما بنفسه ليكون صاحب القرار الذي يتحمل مسؤوليته، مع وجود مساحات للخلافات بين الأجهزة المساعدة وبين كبار المسؤولين في الإدارة، يخرج بعضها للعلن ويبقي بعضها في الكواليس، ولكن في إطار السياسة العامة التي يجري إقرارها ويلتزم الجميع بخطوطها الأساسية.
وسياسة أوباما تجاه إيران اتجهت منذ البداية نحو التهدئة ومحاولة حل القضايا المعلقة بالحوار، الذي كان ينتظر انتهاء انتخابات الرئاسة الإيرانية لينطلق في إطار موقف حاسم من واشنطن بعدم السماح لإيران بامتلاك السلاح النووي، مع الاستعداد بعد ذلك لتفاهمات كبري تساعد من خلالها طهران على تأمين الأوضاع في العراق بعد الانسحاب الأميركي، وتواصل ما كانت قد قدمت من مساعدات لواشنطن عند بداية الحرب الأميركية على طالبان في أفغانستان باعتبار أنها تقاتل عدوا مشتركاً، بينما يكون المقابل هو تأمين النظام في إيران وإعطاؤه دوراً إقليميا تريد الدول العربية الضمانات الكافية بألا يكون على حسابها!.
ولا شك أن الأحداث التي رافقت وأعقبت الانتخابات الإيرانية قد غيرت الكثير من معالم الصورة عن المجتمع الإيراني، ومع ذلك فقد كان لافتاً الموقف المتحفظ لإدارة أوباما من هذه الأحداث، خاصة في الأيام الأولى.. ورغم تطور هذا الموقف بفعل الضغوط الداخلية في أميركا وتصاعد الموقف في إيران، فقد بقي الانتقاد الأميركي لممارسات السلطة الإيرانية تجاه مظاهرات الاحتجاج، أقل من الموقف الأوروبي في هذا الشأن.. ربما لان معرفة واشنطن بموازين القوى في الداخل كانت أكبر، وربما حفاظاً على إمكانيات الحوار القادم مع طهران، وربما للحرص على استمرار التعاون الإيراني في ملفي العراق وأفغانستان، وربما لذلك كله معاً.
ومع استمرار الأزمة الإيرانية وانفتاحها على احتمالات كثيرة، كان طبيعياً أن تتباين وجهات النظر في كيفية التعامل معها، سواء داخل الإدارة الأميركية أو بينها وبين معارضي سياستها في المؤسسات الأميركية، أو مع الأوروبيين. وإذا استثنينا الاتجاهات المتحالفة مع إسرائيل أو الممثلة لهما داخل المؤسسات الأميركية والتي تدفع باتجاه الحرب، فإن السجال الأساسي كان يدور في إطار ممارسة الضغوط والتلويح بجوائز لإيران إذا استبعدت خيار امتلاك السلاح النووي، مع التركيز على أن فرصة الحوار لا ينبغي أن تبقي بلا نهاية، والخيار العسكري لا ينبغي أن يستبعد نهائياً. أما العقوبات الأخرى الاقتصادية والمالية وغيرها، فأمر حتمي إذا فشلت المفاوضات القادمة.
لم يكن في هذا جديد في استراتيجية إدارة أوباما تجاه طهران، ولكن الجديد والخطير كان ما جاء على لسان جوزيف بايدن نائب الرئيس الأميركي، حين تبرع بإدخال إسرائيل على الخط، معلقاً على احتمال توجيه ضربة إسرائيلية للمنشآت النووية لإيران (وهو ما كانت أميركا ترفضه وتحذر منه) بأن إسرائيل يمكنها أن تقرر بنفسها ماذا تفعل وما هو في مصلحتها، باعتبارها دولة ذات سيادة!!.
ولا شك أن هذا كان أسوأ ما يمكن أن يصدر عن مسؤول أميركي بهذا المستوي وفي هذه الظروف التي تمر بها المنطقة، فقد كان تصريح بايدن يعني ـ للداخل الإيراني ـ أن تتراجع كل القضايا الخلافية لكي يصطف الجميع لمواجهة الخطر الجديد، وأن يكتسب الجناح المتشدد المزيد من الدعم لموقفه، خاصة أن قضية الملف النووي هي محل إجماع بين كل المتنافسين.
وكان تصريح بايدن ـ بالنسبة للداخل الإسرائيلي ـ ضربة لكل القوى التي تحذر من جنون اليمين المتطرف، الذي يحكم والذي يضع في أول أولوياته ضرب إيران، مدعياً أن مجرد امتلاكها المعرفة النووية خطر على كيان يملك ترسانة من السلاح النووي! وكان تصريح بايدن ـ بالنسبة للفلسطينيين والعرب ـ يعني إقراراً بشكل أو آخر من جانب مسؤول على قمة الإدارة الأميركية، بأن جدول الأولويات الذي وضعه نتانياهو قد يكون مقبولاً بما يفرضه من أن المشكلة الأساسية أمام إسرائيل هي إيران، وكل شيء مؤجل ـ بما فيه الحل الحقيقي للقضية الفلسطينية ـ حتى تنتهي المهمة الأساسية.
صحيح أن أوباما بنفسه سارع بنفي أن هناك تصريحا أميركيا لإسرائيل بضرب إيران وإشعال المنطقة، وصحيح أن الأمر قد يكون من باب الضغط على إيران، سواء للتعاون في ملفات العراق وأفغانستان أو لإضعاف موقفها في المباحثات القادمة. ولكن ذلك كان ممكناً بدون إدخال إسرائيل في الموضوع.
وربما يقال إن تصريح بإيدن كان المقصود منه انتزاع ورقة مساومة من نتانياهو بالقول له: تريد أن تهاجم إيران وترى ذلك في مصلحتك.. هاجمها إذا استطعت وتحمل النتائج! أو اتركنا نعمل وفق مخططاتنا بما فيها تسوية القضية الفلسطينية!! .
ولكن الأمر لا يستقيم بخلط الأوراق، ولا بإعطاء التصاريح المجانية لإسرائيل بشن الحرب إذا رأت فيها مصلحتها.. في إيران (وهذا مستبعد) وفي دول الجوار العربية (وهذا هو الخطر الحقيقي)!!
كاتب مصري
