من المثير للاستغراب والريبة في كثير من الأحيان، أن تظل المعايير الملتوية، هي السمة التي تميز المواقف الرسمية والإعلامية الدولية، عندما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان أمام حدث ما، حيث تتداخل الأمور بعضها مع بعض، فتنسف حقائق، وتُختلق أحداث، ويطلع علينا (غيورون) على القانون والحريات العامة فيشبعوننا تنظيراً، لكننا لا نجد هؤلاء الغيورين عندما يكون الموضوع مصيرياً لشعب كامل.
فعندما نلمس غيرية مفاجئة على حقوق الإنسان في شينغ يانغ الصينية وقبلها في دارفور السودانية، وأيضاً خلال الانتخابات الإيرانية، تعود بنا الذاكرة لما جرى في قطاع غزة في شهري كانون الأول والثاني الماضيين، فنلحظ أن قضايا مفتعلة أو أحداث شغب، حظيت باهتمامات رسمية وإعلامية دولية لافتة، في الوقت الذي كان هناك من يدعم الإرهاب الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني وينحاز لإسرائيل حتى في الأمم المتحدة التي يفترض أن تكون مرجعية الشعوب عندما يتعلق الأمر بقضايا حقوق الإنسان ومنطوق القانون وإحقاق العدالة.
كثيرة هي الأمثلة على المقاييس والمعايير الملتوية عندما يتعلق الأمر بالحقوق العربية المغتصبة، حتى إن المتتبع للأحداث يندهش وهو يلحظ التواطؤ المكشوف مع مجرمي حرب على شاكلة أولمرت وليفني وباراك وشارون وغيرهم الكثير من قادة الإجرام الإسرائيلي، في الوقت الذي يصبون فيه جام غضبهم على مقاومين وطنيين يدافعون عن حقوق وكرامة شعبهم، والأنكى من ذلك أنه ووفق معايير دعاة الحرية والحقوق والقانون يكافأ المعتدي ويصبح المعتدى عليه إرهابياً!.
ويتساءل المرء.. أليس ما يجري بحق الشعب الفلسطيني منذ ستين عاماً ونيف، هو الإرهاب عينه؟.. أين هؤلاء الزاعقون حول حقوق الإنسان، من الحقوق العربية المغتصبة بفعل الاحتلال والتواطؤ الدولي؟.. هل تشغل بال هؤلاء قضية مليون ونصف المليون فلسطيني المحاصرين في سجن كبير يُسمى قطاع غزة؟ لماذا ترتعد فرائص هؤلاء الزاعمين الحرص على حقوق الإنسان، عندما يتعلق الأمر بإسرائيل فلا نسمع منهم مجرد إدانة لجرائمها الموصوفة؟.
قد يقول قائل: ما الفائدة من كل هذا الكلام وهذه التساؤلات، إذا كان أصحاب الحقوق أنفسهم غير متحمسين لاستردادها، ولا يفعلون على أرض الواقع ما يشير إلى عزمهم الدفاع عن حقوقهم وقضاياهم؟
لكن العارفين بحقيقة الأمور يرون أنه لا يمكن الاعتماد على الغير في استرداد الحق، وأن صاحب هذا الحق، هو الذي يفترض فيه أن يعقد العزم على استرداده لأن الحق لا يموت مادام وراءه مطالب.
